مقدمة: طلب المساعدة ليس ضعفاً
في ثقافتنا العربية يُعتبر طلب المساعدة النفسية وصمة عار عند كثير من الناس. «مشاكلنا نحلّها بيننا» و«لا أحد يعرف عن بيتنا» — هذه العبارات مألوفة في مجتمعاتنا. لكنّ الحقيقة أنّ طلب المساعدة المتخصصة هو أشجع قرار يمكن أن يتّخذه زوجان يُحبّان بعضهما ويُريدان إنقاذ علاقتهما.
العلاج النفسي للأزواج ليس اعترافاً بالفشل بل هو استثمار في العلاقة واعتراف بأهميتها. كما أنّك تذهب إلى الطبيب حين يمرض جسدك فمن الحكمة أن تستشير مختصاً حين تمرض علاقتك. فالعلاقة الزوجية أهمّ من أيّ جهاز في بيتك — وأنت لا تتردّد في استدعاء فنّي لإصلاح غسّالتك فلماذا تتردّد في استشارة مختص لإصلاح أغلى ما تملك؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
❝تداووا عباد الله، فإنّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً❞
رواه أحمد وأبو داود
والإسلام لم يكتفِ بالدعوة إلى التداوي بل أسّس أيضاً لمبدأ المشورة وطلب النصح من أهل الخبرة. قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). والمعالج النفسي هو مستشار متخصص يملك أدوات ومعرفة تُساعد الزوجين على فهم مشكلاتهما وحلّها بطريقة علمية ومهنية.
متى تحتاج العلاقة إلى علاج متخصص
حين تتكرّر نفس المشكلة دون حلّ. إذا وجدتما أنّكما تتشاجران على نفس الموضوع مراراً وتكراراً دون أن يتغيّر شيء فهذا مؤشر واضح على أنّكما تحتاجان منظوراً خارجياً. المعالج يُساعد على كسر الحلقة المفرغة واكتشاف الجذر الحقيقي للمشكلة الذي قد يكون مختلفاً تماماً عمّا يظنّه الزوجان.
حين يغيب التواصل أو يتحوّل إلى عنف. إذا أصبح الحوار مستحيلاً وتحوّل كل نقاش إلى صراخ أو صمت عقابي فالعلاقة تنزف وتحتاج تدخّلاً عاجلاً. المعالج يُعلّم الزوجين مهارات التواصل الفعّال ويُساعدهما على الاستماع لبعضهما بتعاطف بدلاً من الهجوم والدفاع.
حين يحدث كسر كبير في الثقة. الخيانة أو الكذب المتكرر أو إخفاء أمور جوهرية كلها تكسر الثقة بشكل عميق. وإعادة بناء الثقة عملية طويلة ومعقّدة تحتاج في كثير من الأحيان إلى مساعدة متخصصة تُوجّه الزوجين في كل خطوة.
حين يُفكّر أحد الطرفين أو كلاهما في الانفصال. إذا وصلت العلاقة إلى حافة الطلاق فالعلاج قد يكون الفرصة الأخيرة لإنقاذها. والإسلام يدعو إلى الصلح قبل الطلاق — قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 35). والمعالج النفسي يقوم بدور الحكم المتخصص الذي يسعى للإصلاح.
ماذا يحدث في جلسات العلاج
في الجلسة الأولى يستمع المعالج لكلا الطرفين بحياد ويُحاول فهم طبيعة المشكلة من وجهتَي نظرهما. المعالج ليس قاضياً يُصدر أحكاماً بل وسيط يُساعد الزوجين على فهم بعضهما. لا يقف مع طرف ضدّ الآخر بل يبحث عن الأنماط التفاعلية السلبية التي تُغذّي المشكلة.
ومن أهمّ ما يحدث في العلاج هو تعلّم مهارات التواصل الصحي. كثير من المشكلات الزوجية ليست مشكلات جوهرية بل مشكلات تواصل — الزوجان يُحبّان بعضهما لكنّهما لا يعرفان كيف يُوصلان حبّهما بطريقة يفهمها الآخر. المعالج يُعلّمهما كيف يستمعان بتعاطف ويُعبّران عن مشاعرهما بوضوح ويتفاوضان على الحلول.
كذلك يُساعد العلاج على استكشاف الجذور العميقة للمشكلات. ما يبدو خلافاً حول المال قد يكون في جذره خلافاً حول السيطرة والأمان. وما يبدو غيرة قد يكون في جذره خوفاً من الهجر نابعاً من تجارب طفولية. المعالج يُساعد الزوجين على رؤية ما تحت السطح والتعامل مع الأسباب الحقيقية لا الأعراض فقط.
اختيار المعالج المناسب
اختيار المعالج المناسب خطوة حاسمة في نجاح العلاج. ابحث عن معالج مُرخّص ومتخصص في العلاقات الزوجية والأسرية. فالمعالج المتخصص في الاكتئاب مثلاً قد لا يكون الأنسب لمشكلات العلاقات. وتأكّد من أنّه يحمل شهادة معترفاً بها وخبرة كافية.
ومن المهمّ أن يحترم المعالج قيمكما الدينية والثقافية. لا يجب أن يكون المعالج متديّناً بالضرورة لكن يجب أن يحترم إيمانكما ولا يُصادر عليه. والمعالج الجيد يُدمج القيم الروحية للزوجين في خطة العلاج بدلاً من تجاهلها أو محاربتها.
وأخيراً ثقوا بحدسكما. إن شعرتما بعدم الارتياح مع معالج بعد جلستين أو ثلاث فمن حقّكما تغييره. العلاقة العلاجية الجيدة أساس نجاح العلاج، فإن لم تشعرا بالأمان والراحة في التحدّث أمام المعالج فلن تستفيدا من الجلسات مهما كانت كفاءته.
العلاج النفسي ومبدأ الصلح في الإسلام
الإسلام أولى اهتماماً بالغاً بالصلح بين الزوجين وجعله مقدّماً على الفراق. قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128). والمعالج النفسي في عصرنا يقوم بالدور الذي كان يقوم به الحكماء وأهل الرأي في المجتمع الإسلامي التقليدي — دور الوسيط العادل الذي يسعى للإصلاح.
قال الله تعالى:
﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
(سورة النساء: 114)
والإمام الغزالي تحدّث في «إحياء علوم الدين» عن أهمية الاستشارة في شؤون الحياة الزوجية وعدّها من علامات العقل والحكمة. فالإنسان مهما كان ذكياً يحتاج أحياناً إلى منظور خارجي يُنير له ما لا يراه. والمعالج النفسي يُقدّم هذا المنظور بأدوات علمية مدروسة.
خاتمة: قرار الشجاعة
إن كنت تقرأ هذه السطور فربّما تمرّ بمرحلة صعبة في علاقتك. وأريدك أن تعرف أنّ طلب المساعدة هو أشجع قرار يمكنك اتّخاذه وليس أضعفه. الضعف الحقيقي هو أن ترى علاقتك تنهار ولا تفعل شيئاً خوفاً من حكم الناس أو من الاعتراف بالمشكلة.
وتذكّر أنّ كثيراً من العلاقات التي كادت أن تنتهي عادت أقوى وأعمق بعد العلاج. المشكلات ليست نهاية العلاقة بل قد تكون بداية مرحلة جديدة أكثر نضجاً وصدقاً. فلا تستسلم قبل أن تجرّب كل الأسباب، والله يُحبّ الإحسان ويُقدّر من يسعى للإصلاح. قال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: 35). فأخلص النيّة واطلب المساعدة وتوكّل على الله — فمن طرق باب الله بصدق لم يُخيّبه.
