🚩

التلاعب النفسي في العلاقات

كيف تتعرف على أساليب التلاعب وتحمي نفسك — بين الشريعة وعلم النفس

🚩

مقدمة: ما هو التلاعب النفسي في العلاقات؟

التلاعب النفسي في العلاقات العاطفية هو نمط سلوكي ممنهج يستخدمه أحد الطرفين للسيطرة على الآخر والتحكم في أفكاره ومشاعره وقراراته بطرق خفية وغير مباشرة. يختلف هذا التلاعب اختلافاً جوهرياً عن التأثير الطبيعي بين الشريكين، فبينما يقوم التأثير الصحي على الاحترام المتبادل والشفافية، يقوم التلاعب على الخداع واستغلال نقاط الضعف وتجريد الطرف الآخر من إرادته المستقلة.

يأتي المتلاعب بوجه ودود في البداية، فيُظهر حباً جارفاً واهتماماً استثنائياً حتى يكسب ثقة الشريك ويُنشئ رابطة تعلّق قوية. ثم يبدأ تدريجياً في استخدام أساليب دقيقة كإنكار الحقائق، وتحميل الشريك مسؤولية كل المشكلات، والتقليل من مشاعره ومخاوفه. الخطورة في التلاعب النفسي أنه يحدث ببطء شديد، فلا تدرك الضحية ما يجري إلا بعد أن تفقد جزءاً كبيراً من ثقتها بنفسها واستقلاليتها.

قال الله تعالى:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

(سورة النساء: 19)

لقد حرّم الإسلام كل أشكال الأذى بين الزوجين وجعل أساس العلاقة الزوجية المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف. وقد أكّد الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» أنّ حُسن الخُلق مع الأهل من أعظم العبادات، وأنّ إيذاء الشريك نفسياً لا يقلّ خطورة عن الإيذاء الجسدي. فالتلاعب النفسي يُدمّر كرامة الإنسان التي كرّمها الله، ويُحوّل بيت الزوجية من سكن ومودة إلى سجن وعبودية.

ويؤكد ابن القيم في «روضة المحبين» أنّ الحب الحقيقي لا يكون إلا مع الاحترام الكامل لإنسانية المحبوب وحريته، وأنّ كل علاقة تقوم على القهر والإخضاع هي علاقة مريضة لا تستحق اسم الحب. فالحب في التصور الإسلامي قوة تُنمّي الإنسان وترفعه لا تُحطّمه وتُذلّه. ومن هنا تأتي أهمية فهم التلاعب النفسي وأساليبه حتى يستطيع الإنسان حماية نفسه وحماية من يحب.

أشكال التلاعب النفسي في العلاقات

تتعدد أشكال التلاعب النفسي، وأخطرها الإنارة الغازية (Gaslighting) حيث يُنكر المتلاعب وقائع حدثت فعلاً، ويُصوّر للضحية أنها تتخيّل أو تبالغ أو تفقد عقلها. يقول المتلاعب عبارات مثل: «هذا لم يحدث أبداً» أو «أنتِ تتوهمين» أو «لماذا تجعلين من كل شيء مشكلة؟». مع تكرار هذا الأسلوب، تبدأ الضحية في الشك بذاكرتها وإدراكها، فتفقد أهم أدوات حمايتها: ثقتها بحكمها على الأمور.

ومن أشكال التلاعب الشائعة أيضاً الابتزاز العاطفي، حيث يستخدم المتلاعب مشاعر الشريك كسلاح للضغط عليه. فيُشعره بالذنب إذا رفض طلباً ما، أو يُهدّد بالانسحاب أو بإيذاء النفس لإجبار الشريك على الرضوخ. كذلك يلجأ بعض المتلاعبين إلى المعاملة الصامتة كعقاب، فيتجاهلون الشريك تماماً لأيام حتى يشعر بالهلع ويتنازل عن موقفه. وقد نهى الإسلام عن هجران الزوجة في غير الفراش، ونهى عن الإيذاء النفسي بالقول والفعل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

رواه الترمذي وابن ماجه

ومن الأساليب الخبيثة أيضاً قصف الحب (Love Bombing) في بدايات العلاقة، حيث يُغدق المتلاعب على الشريك اهتماماً ومديحاً وهدايا بشكل مبالغ فيه وغير طبيعي، ليخلق تعلّقاً عاطفياً سريعاً يصعب كسره لاحقاً. ثم يأتي إسقاط الذنب حيث يُحمّل المتلاعب الضحية مسؤولية سلوكه السيئ: «لو لم تفعلي كذا لما اضطررتُ لأن أغضب». كل هذه الأساليب تعمل معاً لتفتيت شخصية الضحية وجعلها رهينة للمتلاعب.

وقد حذّر ابن حزم الأندلسي في «طوق الحمامة» من أنّ بعض ما يظنّه الناس حباً هو في حقيقته تملّك وأنانية مقنّعة. فالعاشق الحقيقي يريد سعادة محبوبه ولو على حساب نفسه، أما المتلاعب فيريد إخضاع الشريك لإرادته ولو على حساب صحته النفسية وكرامته. والإسلام واضح في هذا الأمر: فقد جعل الرحمة والمودة أساس العلاقة بين الزوجين، وجعل حفظ النفس والعقل من الضرورات الخمس التي لا يجوز المساس بها.

علامات العلاقة السامة ودورة الإساءة

تتميز العلاقة السامة بمجموعة من العلامات التحذيرية التي كثيراً ما تتجاهلها الضحية في البداية. من أبرز هذه العلامات: الشعور المستمر بأنك تسير على أطراف أصابعك خوفاً من ردة فعل الشريك، وتبرير سلوكه المسيء أمام الآخرين وأمام نفسك، والشعور بأنك فقدت شخصيتك واهتماماتك التي كانت تُميّزك قبل العلاقة. كذلك العزلة التدريجية عن الأهل والأصدقاء، والشعور بالذنب الدائم دون سبب واضح.

دورة الإساءة في العلاقات السامة

التوتر المتصاعد ← الانفجار (الإساءة) ← مرحلة شهر العسل (الاعتذار والوعود) ← مرحلة الهدوء ← التوتر من جديد...

هذه الدورة تتكرر وتتصاعد في حدّتها مع مرور الوقت

تسير العلاقات السامة وفق دورة معروفة في علم النفس تتكون من أربع مراحل تتكرر باستمرار. تبدأ بمرحلة التوتر المتصاعد حيث يزداد التوتر تدريجياً ويصبح المتلاعب أكثر انتقاداً وعدوانية. ثم تأتي مرحلة الانفجار حيث تقع الإساءة الكبرى سواء كانت لفظية أو نفسية أو جسدية. بعدها تأتي مرحلة شهر العسل حيث يعتذر المسيء ويُقدّم الوعود والهدايا ويُظهر ندماً شديداً. وأخيراً مرحلة الهدوء النسبي قبل أن تبدأ الدورة من جديد.

ويتساءل كثيرون: لماذا يبقى الضحايا في علاقات مؤذية؟ الإجابة تكمن في ظاهرة ارتباط الصدمة (Trauma Bonding)، وهي رابطة عاطفية قوية تنشأ بين الضحية والمتلاعب نتيجة تناوب الإساءة مع اللطف. يُفرز الدماغ مواد كيميائية في لحظات اللطف بعد الإساءة تُشبه إدمان المخدرات، فيصبح الضحية متعلقاً عاطفياً بالمسيء رغم معاناته. يُضاف إلى ذلك الخوف من المجهول، والضغوط الاجتماعية، والاعتماد المادي، وفقدان الثقة بالنفس الذي يجعل الضحية يشعر بأنه لا يستحق أفضل مما هو فيه.

وقد تنبّه العلماء المسلمون لخطر البقاء في علاقة مُهلكة. فقد نقل الإمام الغزالي أنّ من لم يستطع إصلاح ما بينه وبين أهله بالمعروف، فالتسريح بإحسان خير من الإمساك بضرر. والإسلام لم يجعل الصبر على الظلم فضيلة، بل جعل رفض الظلم والأخذ بأسباب العافية واجباً. قال ابن القيم: إنّ من أعظم الظلم أن يُؤتمن إنسان على قلب إنسان آخر فيُحطّمه.

الحماية والتعافي: بين الشريعة وعلم النفس

كفل الإسلام للمرأة والرجل حق الخروج من العلاقة الزوجية إذا تحولت إلى مصدر أذى وضرر. فالطلاق حق مشروع إذا تعذّرت المعاشرة بالمعروف، والخُلع حق شرعي للمرأة أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءته امرأة ثابت بن قيس وقالت إنها لا تعيب عليه خلقاً ولا ديناً لكنها تكره الكفر في الإسلام — أي تخشى ألا تُقيم حدود الله من شدة كرهها للعشرة. فأمر النبي بتطليقها. هذا الموقف النبوي يؤسّس لمبدأ عظيم: لا إكراه في البقاء في علاقة مؤذية.

قال الله تعالى:

﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

(سورة البقرة: 229)

وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم القاعدة الذهبية في التعامل بين الناس حين قال: «لا ضرر ولا ضرار». هذه القاعدة تعني أنّ إلحاق الضرر بالآخرين محرّم سواء كان ضرراً جسدياً أو نفسياً. ومن هنا يُقرّر الفقهاء أنّ الإساءة النفسية المتكررة سبب شرعي كافٍ لطلب التفريق. وقد نصّ ابن حزم في «المحلّى» على أنّ كل ما يُلحق الأذى بالزوج أو الزوجة ممنوع شرعاً، وأنّ القاضي يملك حق التفريق إذا ثبت الضرر.

أما من الناحية النفسية، فإنّ التعافي من آثار التلاعب النفسي يبدأ بخطوة حاسمة هي الاعتراف بالمشكلة وكسر الإنكار. كثير من الضحايا يعيشون في حالة إنكار لسنوات، يُبرّرون سلوك المتلاعب ويلومون أنفسهم. الخطوة التالية هي وضع حدود واضحة ثم الاستعانة بمختص نفسي يُساعد في فهم أنماط التلاعب وإعادة بناء الثقة بالنفس. كذلك العودة إلى شبكة الدعم الاجتماعي من أهل وأصدقاء أبعدهم المتلاعب تدريجياً.

ويؤكد علماء النفس أنّ رحلة التعافي ليست خطية بل تمرّ بمراحل من التقدم والتراجع، وهذا طبيعي. المهم ألا يُحمّل الإنسان نفسه فوق طاقته، وأن يصبر على نفسه كما يصبر على غيره. ومن المنظور الإسلامي، فإنّ التوكل على الله والدعاء والصلاة مصادر قوة روحية عظيمة تُعين على تجاوز المحنة. وقد كان ابن القيم يوصي من ابتُلي في قلبه بالرجوع إلى الله والاشتغال بما ينفع من العلم والعبادة وصحبة الصالحين.

خاتمة: الحب الحقيقي لا يؤذي

إنّ أهم حقيقة يجب أن يعرفها كل إنسان هي أنّ الحب الحقيقي لا يُؤذي ولا يُذلّ ولا يُدمّر. الحب الصادق يبني ولا يهدم، يُنمّي ولا يُقزّم، يُحرّر ولا يُقيّد. وإذا كانت العلاقة تجعلك أقل ثقة بنفسك، وأكثر قلقاً وخوفاً، وأبعد عن أهلك وأصدقائك، وأضعف مما كنت — فهذا ليس حباً مهما ادّعى صاحبه، بل هو سيطرة وتملّك مقنّعان بقناع المحبة.

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

لقد وصف القرآن الكريم العلاقة الزوجية بأجمل الأوصاف: السكن والمودة والرحمة. هذه الكلمات الثلاث هي المعيار الذي يُقاس عليه كل حب. فالسكن يعني الأمان والطمأنينة لا القلق والخوف، والمودة تعني المحبة الصادقة لا التلاعب والاستغلال، والرحمة تعني الرفق واللين لا القسوة والإخضاع. وقد قال ابن حزم: إنّ علامة الحب الصادق أن تُريد لمحبوبك ما تُريده لنفسك من الخير والسعادة.

وللتعافي من التلاعب النفسي طريق واضح وإن كان طويلاً. يبدأ بمعرفة الحقيقة — وهي أنك لم تكن أنت المشكلة — ثم يمرّ بإعادة اكتشاف الذات وبناء الحدود الصحية، وينتهي باستعادة القدرة على الحب والثقة مرة أخرى. الشفاء ممكن وقد شهد عليه ملايين الناجين حول العالم. وكما قال ابن القيم: إنّ الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، وهذا يشمل أمراض القلوب والنفوس كما يشمل أمراض الأبدان.

واعلم أنّ طلب المساعدة ليس ضعفاً بل هو قوة وشجاعة. سواء كانت المساعدة من مختص نفسي، أو من إمام حكيم، أو من صديق صادق — فإنّ الاعتراف بالحاجة إلى الدعم هو أول خطوة نحو التحرر. والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح: 6). فمهما اشتدّت الظلمة فإنّ الفجر آتٍ لا محالة، ومهما طال ليل التلاعب فإنّ نور الحقيقة أقوى من كل أكاذيب المتلاعبين.

أسئلة شائعة عن التلاعب النفسي في العلاقات

ما هو التلاعب النفسي في العلاقات العاطفية؟

+

التلاعب النفسي هو نمط سلوكي يستخدمه أحد الشريكين للسيطرة على الآخر والتحكم فيه بطرق غير مباشرة وخفية. يشمل ذلك تشويه الحقائق، واستغلال المشاعر، وزرع الشك في النفس، والعزل الاجتماعي. يختلف التلاعب عن الخلافات الطبيعية في أنه ممنهج ومتكرر ويهدف إلى إخضاع الشريك لا إلى حل المشكلات. حذّر الإسلام من كل أشكال الأذى بين الزوجين، وأمر بالمعاشرة بالمعروف واحترام كرامة الإنسان.

ما هي الإنارة الغازية (Gaslighting)؟

+

الإنارة الغازية هي أسلوب تلاعب نفسي يقوم على تشكيك الضحية في إدراكها للواقع وذاكرتها ومشاعرها. يُنكر المتلاعب أحداثاً وقعت فعلاً، ويتهم الضحية بالمبالغة أو الجنون، ويُعيد صياغة المواقف لجعل الضحية تشعر بأنها المخطئة دائماً. مع مرور الوقت، تفقد الضحية ثقتها بنفسها وبحكمها على الأمور، فتصبح أكثر اعتماداً على المتلاعب. هذا الأسلوب من أخطر أشكال الإساءة النفسية لأنه يُدمّر البنية الداخلية للإنسان.

كيف أعرف أنني في علاقة سامة؟

+

من أبرز علامات العلاقة السامة: الشعور الدائم بالذنب والتقصير دون سبب واضح، وفقدان الثقة بالنفس تدريجياً، والعزلة عن الأصدقاء والعائلة، والمشي على أطراف الأصابع خوفاً من ردة فعل الشريك، والتبرير المستمر لسلوكه السيئ أمام الآخرين. إذا كنت تشعر بأنك تفقد هويتك وتتغير شخصيتك إلى الأسوأ منذ بداية العلاقة، فهذه إشارة قوية على وجود تلاعب نفسي يستدعي التوقف والتقييم.

هل يُبيح الإسلام الخروج من علاقة زوجية مؤذية؟

+

نعم، الإسلام يُقرّ حق المرأة والرجل في إنهاء العلاقة الزوجية إذا أصبحت مصدر أذى وضرر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». والخُلع حق شرعي للمرأة إذا تعذّرت العشرة بالمعروف. وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان. ولم يأمر الإسلام أبداً بتحمّل الظلم والإساءة باسم الصبر، بل جعل حفظ النفس والعقل من المقاصد الخمس للشريعة.

ما هو قصف الحب (Love Bombing)؟

+

قصف الحب هو أسلوب تلاعب يقوم على إغراق الشريك بكميات مبالغ فيها من الاهتمام والحب والهدايا والمدح في بداية العلاقة، بهدف كسب ثقته وتعلّقه بسرعة. يبدو الأمر في البداية كحب حقيقي شديد، لكنه يختلف عن الحب الصادق في سرعته غير الطبيعية وكثافته المبالغ فيها وهدفه الخفي وهو السيطرة. بعد مرحلة قصف الحب، يبدأ المتلاعب في سحب الاهتمام تدريجياً واستبداله بالتحكم والإخضاع.

كيف يمكن التعافي من آثار التلاعب النفسي؟

+

التعافي من التلاعب النفسي رحلة تحتاج إلى صبر ووعي ودعم. تبدأ بالاعتراف بوجود المشكلة وكسر حالة الإنكار، ثم وضع حدود واضحة أو إنهاء العلاقة إذا لزم الأمر. يُنصح بالاستعانة بمختص نفسي لفهم أنماط التلاعب وإعادة بناء الثقة بالنفس. كذلك فإن العودة إلى شبكة الدعم الاجتماعي من أهل وأصدقاء تُسرّع التعافي. ومن المنظور الإسلامي، التوكل على الله والدعاء والتقرب من الصالحين يمنح القوة الروحية اللازمة لتجاوز هذه المحنة.