مقدمة: القناع الساحر خلفه فراغ عظيم
النرجسية في العلاقات العاطفية من أعقد المشكلات النفسية وأكثرها تدميراً. الشريك النرجسي يرتدي قناعاً ساحراً في البداية — يبدو واثقاً وجذاباً وكريماً ومُعجباً بك — لكنّ خلف هذا القناع يكمن فراغ عاطفي عميق وحاجة مرضية للسيطرة والإعجاب. ومع مرور الوقت يسقط القناع تدريجياً ليكشف عن شخصية تستنزف طاقتك وتُحطّم ثقتك وتُحوّل حياتك إلى مسرح تدور أحداثه حول شخص واحد: هو.
اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder - NPD) هو اضطراب نفسي معترف به في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). يتميز بنمط مستمر من العظمة والحاجة للإعجاب وانعدام التعاطف. النرجسي يعتقد أنه فريد ومميز ويستحق معاملة خاصة، ويتوقع من الآخرين أن يعترفوا بتفوّقه دون أن يكون قد حققه فعلاً. وحين لا يحصل على الإعجاب الذي يتوقعه ينتقل إلى الغضب والانتقام.
والمفارقة أنّ النرجسية في جوهرها ليست حباً مفرطاً للذات بل هي تعويض عن فراغ داخلي عميق. النرجسي لا يحب نفسه حقاً بل يحب الصورة المثالية التي رسمها لنفسه ويخشى أن يراه أحد كما هو فعلاً. ولهذا فهو في حاجة مستمرة لمرآة تعكس له عظمته — وشريك حياته هو المرآة الأقرب والأكثر أهمية. حين تعكس المرآة صورة جميلة يكون النرجسي في أحسن أحواله، وحين تعكس حقيقته ينفجر غضباً ويُحطّم المرآة.
❝ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر ❞
رواه مسلم
علامات الشريك النرجسي: عشر إشارات تحذيرية
أولاً: الانبهار الأولي المبالغ فيه — في بداية العلاقة يُغدق النرجسي عليك اهتماماً ومديحاً يبدو حلماً (قصف الحب). ثانياً: المحادثة ذات الاتجاه الواحد — كل حديث يعود إليه، قصصه وإنجازاته ومشاكله. مشاعرك وأخبارك لا تحظى باهتمام حقيقي. ثالثاً: غياب التعاطف — لا يستطيع أن يضع نفسه مكانك أو يفهم ألمك. إذا بكيت يتضايق لا يتعاطف.
رابعاً: عدم تقبّل النقد — أي ملاحظة مهما كانت بسيطة تُقابل بغضب عنيف أو انسحاب عقابي. خامساً: الاستغلال — يستخدم الآخرين لتحقيق أهدافه دون اعتبار لمشاعرهم. سادساً: الحسد المزمن — يحسد الآخرين على نجاحهم حتى لو كانوا أقرب الناس إليه، وفي الوقت نفسه يعتقد أن الجميع يحسده.
سابعاً: التقليل من إنجازاتك — كلما حققت شيئاً يُقلّله أو ينسبه لنفسه. ثامناً: التلاعب بالحقائق — يُمارس الإنارة الغازية ويُعيد كتابة التاريخ ليكون دائماً على حق. تاسعاً: العلاقات السطحية — ليس لديه صداقات عميقة وحقيقية، فالجميع أدوات في حياته. عاشراً: دورة التمجيد والتحقير — يرفعك إلى السماء ثم يُسقطك إلى الأرض بلا سابق إنذار.
دورة العلاقة مع النرجسي: التمجيد ثم التحقير ثم التجاهل
تمر العلاقة مع النرجسي بدورة معروفة تتكرر باستمرار. المرحلة الأولى: التمجيد (Idealization) — يراك النرجسي شخصاً مثالياً ويُغدق عليك الحب والاهتمام والمديح. تشعر أنك وجدت حب حياتك. هذه المرحلة قد تستمر أسابيع أو أشهراً، وهي التي تخلق الارتباط العاطفي العميق الذي يصعب كسره لاحقاً.
المرحلة الثانية: التحقير (Devaluation) — يبدأ النرجسي في انتقادك والتقليل منك وإشعارك بأنك لا تستحق. تتساءل: ماذا فعلت؟ أين ذهب ذلك الشخص الرائع؟ الحقيقة أنه لم يتغير — بل أنه أظهر وجهه الحقيقي بعد أن ضمن تعلّقك به. المرحلة الثالثة: التجاهل (Discard) — حين يشعر النرجسي أنه استنزف كل ما لديك من طاقة عاطفية، يتخلى عنك ببرود أو يبدأ في البحث عن «ضحية» جديدة.
لكنّ القصة لا تنتهي هنا. فالنرجسي غالباً يعود في مرحلة رابعة: الاستدراج (Hoovering) — حيث يعود بحلاوة اللسان والوعود ليُعيدك إلى الدورة من جديد. وهكذا تدور الحلقة: تمجيد ثم تحقير ثم تجاهل ثم استدراج. وكل دورة تكون أشد من سابقتها في التحقير وأقصر في التمجيد.
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
(سورة لقمان: 18)
النرجسية في ميزان الإسلام
الإسلام يُدين الكِبر والغرور والإعجاب بالنفس إدانة صريحة. الحديث الشريف «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر» يضع الكبر — وهو جوهر النرجسية — في مرتبة الكبائر التي تحول بين الإنسان والجنة. وقد عرّف النبي ﷺ الكبر بقوله: «الكبر بَطَر الحق وغَمْط الناس» — أي رفض الحق والاستخفاف بالناس. وهذا تعريف دقيق ينطبق تماماً على الشخصية النرجسية.
وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة تاريخية للشخصية النرجسية. فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ هو النموذج الأقصى للنرجسية — الشعور بالعظمة المطلقة والتفوّق على الجميع. وقارون الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ هو نموذج للنرجسي الذي ينسب كل نجاح لنفسه ولا يعترف بفضل أحد.
في المقابل، يدعو الإسلام إلى التواضع والرحمة والتعاطف — وهي نقيض صفات النرجسي تماماً. قال النبي ﷺ: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (رواه مسلم). وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن» (رواه الترمذي). وأمر بالعدل والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90). وقد قال ابن القيم إنّ التواضع زينة المؤمن وحِلية الصالحين، وأنّ المتكبر لا يجد في قلبه مكاناً للحب الحقيقي لأنّ قلبه مملوء بحب نفسه.
كيف تحمي نفسك وتتعامل مع الشريك النرجسي
أولاً: اعرف ما تتعامل معه. فهم طبيعة الاضطراب النرجسي يساعدك على ألا تأخذ تصرفاته بشكل شخصي. سلوكه ليس بسببك — إنه نتيجة اضطرابه هو. ثانياً: لا تحاول تغييره. لن تنجح في إصلاحه مهما بذلت من جهد. التغيير قراره هو ويحتاج لمساعدة متخصصة.
ثالثاً: ضع حدوداً صلبة والتزم بها. النرجسي سيحاول اختبار حدودك وتجاوزها باستمرار. كن حازماً وهادئاً. رابعاً: لا تنجرّ للجدال. النرجسي لا يتحاور ليصل للحقيقة بل ليفوز. أي جدال ستخسره لأنه لا يلتزم بقواعد المنطق والإنصاف.
خامساً: حافظ على شبكة دعمك — أهلك وأصدقاؤك ومعالجك النفسي. لا تسمح له بعزلك. سادساً: فكّر بجدية في المغادرة إذا كانت العلاقة تُدمّر صحتك النفسية ولا أمل في التغيير. الإسلام لم يأمر أحداً بالبقاء في علاقة تُهلك نفسه. تذكّر أنّ حماية نفسك وعقلك من مقاصد الشريعة الأساسية.
خاتمة: أنت تستحق حباً حقيقياً
إذا كنت في علاقة مع شخص نرجسي، فاعلم أنّ ما تشعر به حقيقي ومشروع. لست مبالغاً ولست حساساً أكثر من اللازم ولست أنت المشكلة. أنت تتعامل مع اضطراب شخصية حقيقي يُسبّب أضراراً حقيقية. وأنت تستحق حباً يُبنيك لا يُحطّمك، حباً يرى فيك إنساناً كاملاً لا أداة أو مرآة.
والله الذي خلقك وكرّمك لم يخلقك لتكون مرآة لأحد أو ظلاً لأحد. خلقك لتكون إنساناً حراً كريماً يعبده ويحقق رسالته في الحياة. والعلاقة الزوجية التي أرادها الله هي سكن ومودة ورحمة — لا سجن وتحكّم وإذلال. فلا تدع أحداً يُقنعك بأنك لا تستحق أفضل مما أنت فيه.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
(سورة الإسراء: 70)
