🔄

أنماط العلاقة السامة

دورة العنف والتلاعب — كيف تتعرف عليها وتكسر الحلقة

🔄

مقدمة: الحلقة التي لا تنتهي

العلاقات السامة لا تكون سامة طوال الوقت — وهذا بالضبط ما يجعلها أخطر من أي علاقة سيئة بوضوح. لو كانت العلاقة مؤذية دائماً لكان الخروج منها سهلاً. لكنّ ما يحدث هو تناوب مستمر بين لحظات حب ولحظات أذى، بين أيام سعادة وأيام جحيم، بين وعود بالتغيير وعودة للإساءة. هذا التناوب يُنشئ حلقة مُفرغة يصعب كسرها لأنّ الأمل يتجدد في كل دورة.

اكتشفت عالمة النفس الأمريكية لينور ووكر في أبحاثها عام 1979 أنّ العلاقات المؤذية تسير وفق دورة متوقعة أسمتها «دورة العنف» أو «دورة الإساءة». هذه الدورة تتكون من مراحل محددة تتكرر وتتصاعد مع مرور الوقت. وفهم هذه الدورة هو المفتاح الأول نحو كسرها والتحرر منها.

والقرآن الكريم يُقدّم رؤية واضحة للعلاقة الزوجية الصحية التي تقوم على السكينة والمودة والرحمة — لا على دورات من الأذى والاعتذار. حين تتحوّل العلاقة إلى مصدر ضرر متكرر فإنّ الإسلام لا يأمر بالاستسلام لهذا الواقع بل يُقدّم حلولاً واقعية تبدأ بالإصلاح وتنتهي — إذا تعذّر الإصلاح — بالتسريح بإحسان.

دورة الإساءة: أربع مراحل تتكرر

المرحلة الأولى: التوتر المتصاعد. يبدأ التوتر في التصاعد تدريجياً. الشريك المسيء يصبح أكثر انتقاداً وتذمراً وعصبية. الضحية تشعر بأنها تمشي على أطراف أصابعها وتحاول تجنّب أي شيء قد يُفجّر الموقف. تراقب مزاجه، تُبالغ في الحذر، تكبت مشاعرها. الأجواء مشحونة ومتوترة والكل ينتظر الانفجار.

المرحلة الثانية: الانفجار. يحدث الحادث — سواء كان صراخاً أو إهانة أو تهديداً أو إنارة غازية أو أي شكل من أشكال الإساءة. الضحية تكون في حالة صدمة ورعب. وغالباً ما تلوم نفسها: «لو لم أقل كذا لما غضب»، «أنا التي استفزّزته». هذا اللوم الذاتي جزء أساسي من آلية الدورة لأنه يمنع الضحية من رؤية الحقيقة.

المرحلة الثالثة: شهر العسل. المسيء يعتذر بحرارة، يبكي أحياناً، يُقدّم الهدايا، يعد بالتغيير. يعود الشخص اللطيف الذي أحبّته الضحية. هذه المرحلة هي أخطر المراحل لأنها تُعيد الأمل وتُبقي الضحية في العلاقة. «ها هو تغيّر»، «ربما كانت الأمور ستتحسن حقاً هذه المرة».

المرحلة الرابعة: الهدوء المؤقت. فترة هدوء نسبي يبدو فيها كل شيء طبيعياً. الضحية تتنفس الصعداء وتأمل أنّ الأمور تغيرت فعلاً. لكنّ التوتر يبدأ بالتراكم من جديد، وتبدأ الدورة مرة أخرى. ومع كل دورة تقصر فترة الهدوء وتطول فترة الإساءة وتزداد حدتها.

﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

(سورة البقرة: 229)

ارتباط الصدمة: لماذا يصعب المغادرة

من أكثر الأسئلة شيوعاً: لماذا لا يغادر الضحية؟ الإجابة تكمن في ظاهرة علمية تُسمى ارتباط الصدمة (Trauma Bonding). حين يتناوب شخص بين الإساءة واللطف يحدث شيء غريب في الدماغ: لحظات اللطف بعد الإساءة تُفرز كميات كبيرة من الدوبامين والأوكسيتوسين تفوق ما تُفرزه في الظروف الطبيعية. هذا يُنشئ رابطة كيميائية تُشبه الإدمان.

يُضاف إلى ذلك عوامل أخرى: فقدان الثقة بالنفس — بعد سنوات من التلاعب تعتقد الضحية أنها لا تستحق أفضل. العزل الاجتماعي — المسيء أبعدها عن كل منظومة دعمها. الخوف — من انتقام المسيء أو من المجهول. الاعتماد المادي — خاصة حين لا يكون للضحية مصدر دخل مستقل.

كما تلعب الضغوط الاجتماعية والثقافية دوراً كبيراً. في بعض المجتمعات يُنظر إلى الطلاق كعار، وتُضغط المرأة للبقاء «من أجل الأطفال» أو «من أجل سمعة العائلة». بل يُسيء البعض استخدام الدين بقولهم: «اصبري فالجنة تحت أقدام الصابرات». والحقيقة أنّ الإسلام لم يأمر بالصبر على الظلم أبداً، بل أمر برفع الظلم وجعل «لا ضرر ولا ضرار» قاعدة شرعية ملزمة.

❝ لا ضرر ولا ضرار ❞

رواه ابن ماجه وأحمد — حديث صحيح

علامات العلاقة السامة: قائمة فحص

إذا وجدت نفسك تُجيب بـ«نعم» على عدة من هذه العلامات فأنت غالباً في علاقة سامة: تشعر بالخوف من ردة فعل شريكك أكثر مما تشعر بالأمان معه. تبرّر سلوكه المسيء أمام الآخرين وأمام نفسك. فقدت اهتماماتك وصداقاتك تدريجياً منذ بدء العلاقة.

تشعر بأنك تمشي على أطراف أصابعك خوفاً من إثارة غضبه. تلوم نفسك على ردود أفعاله السيئة. ثقتك بنفسك تآكلت بشكل ملحوظ. تشعر بالعزلة عن أهلك وأصدقائك. تعتقد أنك لا تستحق أفضل من هذه العلاقة. حياتك تتمحور حول إرضائه وتجنّب غضبه.

كسر الحلقة: من الوعي إلى التحرر

كسر حلقة العلاقة السامة يبدأ بـالوعي: أن تُدرك أنّ ما يحدث لك ليس طبيعياً وأنك لا تستحقه. هذا الوعي وحده ثورة، لأنّ المتلاعب يبذل جهداً كبيراً لإقناعك بأنّ ما يحدث طبيعي أو أنك أنت سببه. ثانياً: أعِد بناء شبكة دعمك. تواصل مع أهلك وأصدقائك. لا تخجل من طلب المساعدة.

ثالثاً: ضع خطة أمان. إذا كنت تخشى رد فعل الشريك عند المغادرة، خطّط بهدوء: أين ستذهب، من سيساعدك، كيف ستؤمّن نفسك مادياً. رابعاً: استعن بمختص. معالج نفسي متخصص في العلاقات المؤذية يمكنه مساعدتك على فهم ما تعرضت له وإعادة بناء ثقتك. خامساً: لا تعد. مرحلة شهر العسل ستُغريك بالعودة، لكن تذكّر أنّ الدورة ستتكرر وستكون أسوأ.

وقد أمر الإسلام بـالإصلاح أولاً: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (سورة النساء: 35). لكن الإصلاح مشروط بنية صادقة من الطرفين. فإذا أخفق الإصلاح فالتسريح بإحسان خير من الإمساك بضرر. وقد قال ابن القيم إنّ استمرار الإنسان في علاقة تُهلك نفسه ليس من الصبر المحمود بل من العجز المذموم.

خاتمة: أنت تستحق السكينة

الله الذي خلق الزواج ليكون سكناً ومودة ورحمة لم يُرِدْه أن يكون سجناً ورعباً وإذلالاً. أنت تستحق علاقة تُبنيك لا تُدمّرك، تُنمّيك لا تُقزّمك، تُحرّرك لا تُقيّدك. وإذا كنت في حلقة مُفرغة من الأذى والوعود الكاذبة، فاعلم أنّ كسر هذه الحلقة ممكن وأنّ حياة جديدة تنتظرك خارجها.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

أسئلة شائعة حول أنماط العلاقات السامة

س:ما هي دورة الإساءة في العلاقات السامة؟

ج:دورة الإساءة تتكون من أربع مراحل تتكرر: التوتر المتصاعد حيث يزداد التوتر تدريجياً، ثم الانفجار حيث تقع الإساءة الكبرى، ثم مرحلة شهر العسل حيث يعتذر المسيء ويُظهر الندم ويقدم الوعود، وأخيراً مرحلة الهدوء المؤقت قبل أن تبدأ الدورة من جديد. كل دورة تتصاعد في حدّتها وتقصر في فترات الهدوء.

س:ما هو ارتباط الصدمة (Trauma Bonding) ولماذا يُبقي الضحية في العلاقة؟

ج:ارتباط الصدمة هو رابطة عاطفية قوية تنشأ بين الضحية والمسيء نتيجة تناوب الإساءة مع اللطف. يُفرز الدماغ مواد كيميائية في لحظات اللطف بعد الإساءة تُشبه آلية الإدمان، فيتعلّق الضحية بالمسيء رغم معاناته. هذا ما يجعل الخروج من العلاقة صعباً جداً ولا يعني أن الضحية ضعيف أو يحب المعاناة.

س:كيف أعرف أنني في علاقة سامة وليس مجرد علاقة صعبة؟

ج:كل علاقة تمرّ بصعوبات، لكن العلاقة السامة تتميز بأنماط متكررة لا تتحسن. العلامات: شعورك الدائم بأنك تمشي على أطراف أصابعك، فقدان ثقتك بنفسك تدريجياً، عزلتك عن أهلك وأصدقائك، شعورك بأنك المسؤول دائماً عن كل المشاكل، وتبريرك المستمر لسلوك شريكك المسيء. إذا كنت تتساءل 'هل هذا طبيعي؟' فغالباً ليس طبيعياً.

س:لماذا يصعب على الضحايا مغادرة العلاقات السامة؟

ج:تتشابك عدة عوامل: ارتباط الصدمة الكيميائي، وفقدان الثقة بالنفس الذي يجعل الضحية تشعر بأنها لا تستحق أفضل، والعزل الاجتماعي عن شبكة الدعم، والخوف من المجهول والاعتماد المادي أحياناً. كذلك الضغوط الاجتماعية والدينية المغلوطة التي تأمر بالصبر على الظلم. المغادرة عملية تحتاج لتخطيط ودعم وليست قراراً بسيطاً.

س:هل الإسلام يأمر بالصبر على الإساءة في الزواج؟

ج:لا. الإسلام يأمر بالمعاشرة بالمعروف ويُحرّم الإضرار بالشريك. قال النبي ﷺ: 'لا ضرر ولا ضرار'. الصبر المطلوب إسلامياً هو الصبر على اختلاف الطباع والمشكلات العادية، لا الصبر على الظلم والإساءة المتكررة. الخُلع والطلاق حقوق شرعية حين تتعذر العشرة بالمعروف. حفظ النفس والعقل من مقاصد الشريعة الأساسية.