الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ومن بين كل قصص الحب التي أنتجتها الحضارة الفارسية، تبقى قصة خسرو وشيرين الأكثر شهرة والأعمق تأثيراً — قصة ملك عظيم وأميرة جميلة جمعهما حب تجاوز كل العقبات.
الأصل التاريخي: ملك ساساني وأميرة أرمنية
تعود جذور هذه القصة إلى التاريخ الحقيقي. خسرو الثاني — المعروف بلقب «أبرويز» (المنتصر) — كان آخر الملوك العظام في السلالة الساسانية، حكم الإمبراطورية الفارسية بين عامي 590 و628 ميلادي. عُرف بثروته الأسطورية وبلاطه الفاخر وحبه للفنون والموسيقى. أما شيرين فكانت أميرة أرمنية مسيحية، تزوجها خسرو وجعلها ملكته المفضلة.
ورد ذكر شيرين في مصادر تاريخية متعددة — فارسية وأرمنية وبيزنطية — مما يؤكد أنها شخصية حقيقية وليست أسطورية. كان لها نفوذ كبير في البلاط الساساني ويُقال إنها أثّرت في كثير من قرارات خسرو السياسية. وقد احتفظت بديانتها المسيحية حتى بعد زواجها من الملك الزرادشتي، في مثال مبكر على التسامح الديني. حين قُتل خسرو على يد ابنه شيرويه عام 628م، يُروى أنّ شيرين آثرت الموت على الحياة بدونه.
الفردوسي والشاهنامه: البذرة الأولى
أول من روى قصة خسرو وشيرين في الشعر الفارسي الكلاسيكي هو أبو القاسم الفردوسي (935-1020م) في ملحمته الخالدة «الشاهنامه» (كتاب الملوك). لكنّ الفردوسي — باعتباره شاعر ملاحم بطولية — ركّز على الجانب السياسي والعسكري من حياة خسرو وذكر قصة الحب باختصار ضمن سياق تاريخي أوسع.
كان على القصة أن تنتظر شاعراً آخر ليمنحها البعد الرومانسي الذي تستحقه. وهذا الشاعر كان نظامي الكنجوي (1141-1209م) — العبقري الذي حوّل الأحداث التاريخية إلى ملحمة حب لا مثيل لها في الأدب العالمي.
«الحب كالشمس... إن غابت عن عين فإنها لا تغيب عن القلب أبداً»
— نظامي الكنجوي، خسرو وشيرين
نظامي الكنجوي: المعلّم الأعظم في شعر الحب
في عام 1188م أنجز نظامي الكنجوي منظومته الشعرية «خسرو وشيرين» — ثاني ملاحمه الخمس الشهيرة. حوّل نظامي القصة التاريخية إلى رحلة حب ملحمية غنية بالتفاصيل والعواطف والأحداث الدرامية. أضاف شخصيات جديدة — أبرزها فرهاد النحّات — وصنع بنية سردية معقدة تجمع بين الحب والسياسة والفلسفة والروحانية.
في رواية نظامي، يسمع الأمير الشاب خسرو عن جمال شيرين من صديقه الرسام شابور، فيقع في حبها قبل أن يراها. وشيرين بدورها ترى صورة خسرو فتعشقه. يلتقيان أخيراً بعد مغامرات ومفارقات، لكنّ طريق الحب ليس سهلاً: الكبرياء والغيرة والعقبات السياسية تفرّق بينهما مرة بعد مرة. خسرو يتزوج أخريات بدافع الغيرة أو المصلحة السياسية، وشيرين تنتظره بكبرياء وصبر. في النهاية يتزوجان بعد سنوات من المعاناة، لكنّ النهاية المأساوية تأتي حين يُقتل خسرو على يد ابنه وتختار شيرين الموت إلى جانبه.
فرهاد: العاشق الذي نحت الجبل بالحب
من أشهر الشخصيات التي أبدعها نظامي في هذه الملحمة شخصية فرهاد — النحّات والمهندس البارع الذي أحبّ شيرين حباً عنيفاً. حين يعلم خسرو بحب فرهاد لشيرين يشتعل غيرة ويضع له شرطاً مستحيلاً: أن يشقّ طريقاً في جبل بيستون الصخري. إن نجح فله شيرين.
يبدأ فرهاد بنحت الجبل بقوة خارقة يستمدها من حبه لشيرين. يعمل ليلاً ونهاراً دون كلل، وكلما ضرب بمعوله الصخر تذكّر وجه شيرين فازداد قوة. حين يقترب من إنجاز المهمة يُرسل خسرو امرأة عجوزاً لتخبره كذباً بأنّ شيرين قد ماتت. عندها يصرخ فرهاد صرخة تهزّ الجبال ويلقي بنفسه من القمة فيهلك. أصبح فرهاد رمزاً خالداً للعاشق المضحي — الذي يبذل حياته في سبيل الحب ويرفض الحياة بدون المحبوب.
شيرين: صورة المرأة القوية في الأدب الفارسي
من أجمل جوانب هذه الملحمة شخصية شيرين نفسها. فشيرين في رواية نظامي ليست مجرد حبيبة سلبية تنتظر أن يأتيها الحبيب، بل هي امرأة قوية ذكية ذات كبرياء وإرادة حديدية. ترفض أن تكون مجرد جارية أو محظية، وتصرّ على أن يعاملها خسرو كنظيرة وملكة. تواجهه بصراحة حين يخطئ، وتنتظره بصبر حين يبتعد، لكنها لا تتنازل عن كرامتها أبداً.
هذه الصورة المتقدمة للمرأة في ملحمة كُتبت في القرن الثاني عشر الميلادي تعكس نضجاً حضارياً ملحوظاً في الثقافة الفارسية الإسلامية. فنظامي — وهو مسلم متديّن — صوّر شيرين كمثال للمرأة المثالية: جميلة وذكية وقوية ومخلصة ومتمسكة بقيمها. وهذا يتوافق مع ما جاء في الإسلام من تكريم للمرأة وتأكيد على حقها في الاختيار والكرامة.
إرث خالد في الثقافة الإسلامية
أصبحت قصة خسرو وشيرين من أشهر قصص الحب في العالم الإسلامي. أعاد كتابتها عشرات الشعراء في الفارسية والتركية والأوردية والعربية. وأصبح اسم «شيرين» (ومعناه الحلوة) من أكثر الأسماء النسائية شيوعاً في البلدان الإسلامية. كما زُيّنت القصور والمخطوطات الإسلامية بمنمنمات تصوّر مشاهد من القصة — خسرو وهو يرى شيرين تستحم للمرة الأولى، وفرهاد وهو ينحت الجبل، وشيرين وهي تبكي على خسرو.
ما يجعل هذه القصة خالدة هو أنها لا تتحدث عن الحب فقط، بل عن رحلة الإنسان نحو النضج العاطفي. خسرو يبدأ شاباً متهوراً أنانياً وينتهي عاشقاً ناضجاً يفهم قيمة الحب الحقيقي. وشيرين تمثل المرأة التي لا تقبل أقل مما تستحق. وفرهاد يمثل التضحية المطلقة في سبيل الحب. هذه الأبعاد الإنسانية العميقة هي ما يجعل القصة تتحدث إلينا عبر تسعة قرون كأنها كُتبت اليوم.
خاتمة: تبقى قصة خسرو وشيرين شاهدة على عبقرية الأدب الفارسي الإسلامي في تصوير الحب بكل أبعاده. فهي ليست مجرد قصة رومانسية بل هي تأمل عميق في طبيعة الحب والتضحية والوفاء والكبرياء. وحين نقرأها اليوم نجد فيها صدى لما قاله القرآن الكريم عن المودة والرحمة بين الزوجين، ونجد فيها حكمة تتجاوز الزمان والمكان وتخاطب القلب الإنساني في كل عصر. وكما قال نظامي: الحب هو الذي يجعل الإنسان إنساناً حقاً.
