الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ومن بين أجمل التعبيرات الأدبية عن الحب في التاريخ يبرز نشيد الأنشاد — ذلك النص الشعري البديع المنسوب إلى النبي سليمان عليه السلام — كجوهرة أدبية تجمع بين جمال الشعر وعمق المعنى.
نشيد الأنشاد: تحفة أدبية سامية
يُعدّ نشيد الأنشاد من أقدم النصوص الأدبية الرومانسية في التراث السامي، ويحتل مكانة فريدة في تاريخ الأدب العالمي. يتألف النص من حوار شعري بين عاشقَين — يُطلق عليهما تقليدياً الحبيب والحبيبة — يتبادلان كلمات الحب والشوق والوصف بصور بلاغية مذهلة. وقد تجاوز تأثير هذا النص حدود الدين الواحد ليصبح جزءاً من التراث الأدبي الإنساني المشترك.
يُنسب النص تقليدياً إلى النبي سليمان عليه السلام، الملك الحكيم الذي يحظى بتقدير عظيم في الإسلام والمسيحية واليهودية. ويُشير عنوانه — نشيد الأنشاد — إلى أنه «أجمل الأناشيد» أو «أعظم نشيد»، وهي صيغة تفضيل سامية تعكس المكانة الرفيعة التي حظي بها هذا النص عند أبناء الثقافة السامية.
الجمال الأدبي: صور شعرية لا تُنسى
يتميز نشيد الأنشاد بثراء صوره الشعرية المستمدة من طبيعة بلاد الشام وفلسطين: الكروم والحدائق وأزهار الربيع والبخور والأطياب. تُشبَّه الحبيبة بالحديقة المغلقة والينبوع المختوم — رموز العفّة والجمال المصون — ويُشبَّه الحبيب بالغزال الذي يقفز على الجبال. هذه الصور الشعرية تتقاطع بشكل لافت مع الشعر العربي القديم، ما يدل على التراث السامي المشترك.
يستخدم الشاعر لغة الحواس الخمس في وصف الحب: البصر لوصف جمال الحبيب، والسمع لوصف صوته العذب، والشم لوصف عطره، والذوق لوصف حلاوة القبلات، واللمس لوصف الاحتضان. هذا التوظيف المتكامل للحواس يجعل القارئ يعيش تجربة الحب بكل أبعادها، وهو أسلوب أدبي متقدم يدل على نضج فني كبير.
«اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأنّ الحب قويّ كالموت»
— نشيد الأنشاد (الإصحاح 8: 6)
التفسيرات المتعددة: بين الحرفي والرمزي
أثار نشيد الأنشاد عبر التاريخ جدلاً تفسيرياً غنياً يعكس تعدد أبعاده. فالتفسير الحرفي يراه قصيدة حب إنسانية تحتفي بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وبجمال الجسد والمشاعر في إطار مقدس. أما التفسير الرمزي فيراه تعبيراً عن العلاقة بين الخالق ومخلوقاته — حب الله لشعبه وشوق النفس البشرية إلى الاتحاد بالإلهي.
في التقليد المسيحي الشرقي، كتب أوريجانوس الإسكندري (القرن الثالث الميلادي) أهم تفسير قديم لنشيد الأنشاد، رأى فيه رمزاً للحب بين المسيح والكنيسة. وتبعه غريغوريوس النيصي الذي رأى فيه رحلة النفس نحو الله من خلال مراحل الحب والتطهّر. هذه القراءات الروحية أضافت عمقاً فلسفياً هائلاً للنص الأصلي.
التراث السامي المشترك
ينتمي نشيد الأنشاد إلى تقليد شعري سامي مشترك يجمع العبرية والعربية والسريانية والأكّدية. فالصور الشعرية المستخدمة في النص — تشبيه الحبيبة بالغزالة، ووصف الحبيب بالراعي، واستخدام رموز الحديقة والينبوع — نجدها أيضاً في الشعر العربي الجاهلي والإسلامي. هذا التشابه ليس صدفة، بل يعكس جذوراً ثقافية وشعرية مشتركة بين الشعوب السامية.
بل إنّ بعض الباحثين رأوا تأثيراً متبادلاً بين نشيد الأنشاد والشعر العربي القديم. فالعبارة الشهيرة في نشيد الأنشاد عن قوة الحب التي تُشبَّه بالموت تجد صداها في الشعر العربي الذي يتحدث عن الحب الذي يقتل العاشق. والوصف التفصيلي لمحاسن الحبيبة يشبه ما عُرف في الشعر العربي بـ«النسيب» — أي وصف المرأة في مطالع القصائد.
نشيد الأنشاد والشعر العربي: خيوط متصلة
يمكن تتبع خيوط التأثير والتأثّر بين نشيد الأنشاد والأدب العربي عبر عدة محاور. أولها المحور اللغوي، فاللغة العبرية التي كُتب بها نشيد الأنشاد هي لغة سامية شقيقة للعربية، وكثير من المفردات والتعابير فيه لها نظائر عربية مباشرة. وثانيها المحور الرمزي، فرموز الحب في النص — الحديقة والينبوع والغزال والعطر — هي ذاتها رموز الحب في الشعر العربي.
وثالثها المحور الصوفي، فقراءة نشيد الأنشاد كتعبير عن العشق الإلهي تتقاطع مع ما طوّره المتصوفة المسلمون من شعر العشق الإلهي. فابن عربي وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية استخدموا لغة الحب الإنساني للتعبير عن حب الله، تماماً كما فعل مفسرو نشيد الأنشاد المسيحيون واليهود.
خاتمة: يظل نشيد الأنشاد شاهداً على أنّ الحب لغة إنسانية واحدة تتجاوز حدود الأديان والثقافات. فهذا النص الذي كُتب قبل آلاف السنين ما زال يُلهم القراء في كل مكان بجماله الأدبي وعمقه الروحي. والقيم التي يحتفي بها — الحب والوفاء والجمال — هي قيم يشترك فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وتُشكّل جزءاً أصيلاً من التراث الأدبي العربي المشترك.
