الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ومن أعمق المفاهيم التي طوّرها الفكر الإنساني عن الحب مفهوم «الأغابي» في التراث المسيحي الشرقي — ذلك الحب الذي يعطي بلا حدود ولا ينتظر مقابلاً.
أنواع الحب الأربعة: تصنيف يوناني بعمق شرقي
ميّز الفلاسفة اليونانيون القدماء بين أربعة أنواع رئيسية من الحب، وقد تبنّى اللاهوتيون المسيحيون الشرقيون هذا التصنيف وأضافوا إليه عمقاً روحياً فريداً. النوع الأول هو الإيروس — الحب العاطفي الرومانسي والانجذاب بين الرجل والمرأة. والثاني الفيليا — حب الصداقة الحقيقية والرفقة العميقة. والثالث الستورجي — الحب الفطري بين أفراد العائلة.
أما النوع الرابع والأسمى فهو الأغابي — الحب غير المشروط الذي يتجاوز حدود الذات. في الفكر المسيحي الشرقي، الأغابي ليس مجرد شعور عاطفي بل هو قرار واعٍ بالعطاء والتضحية من أجل الآخر دون انتظار مقابل. إنه الحب الذي يحبّ حتى من لا يستحق الحب، ويغفر حتى لمن أساء، ويعطي حتى لمن لا يشكر.
رسالة كورنثوس: أشهر نص عن الحب في التاريخ
كتب بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس واحداً من أشهر النصوص عن الحب في تاريخ الأدب الإنساني. في الإصحاح الثالث عشر رسم بولس صورة متكاملة للحب الحقيقي بصفاته المثالية: الحب يتأنى ويترفق، لا يحسد ولا يتفاخر، لا يُقبّح ولا يطلب ما لنفسه، لا يحتدّ ولا يظن السوء.
ثم أعلن بولس أنّ الحب أعظم الفضائل — أعظم حتى من الإيمان والرجاء — لأنه الفضيلة الوحيدة التي تبقى حين يزول كل شيء آخر. هذا النص أثّر تأثيراً هائلاً في الفكر المسيحي الشرقي وفي الثقافة الإنسانية عموماً، وأصبح مرجعاً لكل من يريد فهم طبيعة الحب الحقيقي.
«أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة، ولكن أعظمهنّ المحبة»
— رسالة كورنثوس الأولى (الإصحاح 13: 13)
الأغابي في اللاهوت المسيحي الشرقي
طوّر اللاهوتيون المسيحيون الشرقيون فهماً عميقاً للأغابي يمتزج فيه التأمل الفلسفي بالتجربة الروحية العملية. فالقديس كليمندس الإسكندري (القرن الثاني الميلادي) رأى في الأغابي الطريق إلى معرفة الله الحقيقية — فمن يحبّ حباً غير مشروط يقترب من فهم طبيعة الخالق. وقد ربط كليمندس بين الفلسفة اليونانية والفكر المسيحي بطريقة أسّست لتقليد فكري غني في الشرق.
أما القديس مقاريوس المصري (القرن الرابع الميلادي) فقد طوّر فهماً تجريبياً للأغابي من خلال حياة الرهبنة في صحراء مصر. رأى مقاريوس أنّ الحب الإلهي ليس مجرد فكرة ذهنية بل هو تجربة حياتية يعيشها الإنسان حين يتخلّى عن أنانيته ويفتح قلبه لله وللناس. وقد أثّرت تعاليمه في أجيال من الرهبان والمتصوفة في الشرق.
الأغابي وولائم المحبة المسيحية
من أجمل التطبيقات العملية لمفهوم الأغابي ما عُرف بـ«ولائم المحبة» (Agape Feasts) في الكنيسة المسيحية المبكرة. كانت هذه الولائم جماعية يتشارك فيها المؤمنون الطعام بروح المحبة والإخاء — الغني يُطعم الفقير، والقوي يساعد الضعيف. لم تكن مجرد وجبات طعام بل كانت تعبيراً عملياً عن الحب الجماعي الذي يتجاوز الفوارق الاجتماعية.
هذا التقليد يُذكّرنا بما يحدث في شهر رمضان المبارك حين يجتمع المسلمون على موائد الإفطار الجماعية ويتقاسمون الطعام بروح الرحمة والتراحم. ففي كلتا الحالتين نجد القيمة ذاتها: الحب الذي يتجسّد في العطاء العملي والمشاركة مع الآخرين.
الأغابي والرحمة الإلهية: تقاطعات عميقة
من أعمق نقاط التلاقي بين التراث المسيحي الشرقي والتراث الإسلامي مفهوم الحب الإلهي غير المشروط. ففي الإسلام، الرحمة صفة أساسية من صفات الله — «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ» — والله أرحم بعباده من الأم بولدها كما جاء في الحديث الشريف. وهذا المعنى يتقاطع مع الأغابي المسيحي في أنّ الحب الإلهي يسبق كل استحقاق إنساني.
كما أنّ مفهوم الإحسان في الإسلام — «أن تعبد الله كأنك تراه» — يتقاطع مع الأغابي في بعده الروحي العميق. فكلاهما يدعو الإنسان إلى تجاوز حدود الأنانية والارتقاء بعلاقته مع الخالق إلى مستوى الحب الخالص. وقد لاحظ كثير من الباحثين هذا التشابه العميق بين التقليدين.
خاتمة: يبقى مفهوم الأغابي من أجمل ما أنتجه الفكر الإنساني عن الحب — حب يعطي بلا حدود ويقبل بلا شروط ويغفر بلا حساب. هذا المفهوم العميق الذي طوّره اللاهوتيون المسيحيون الشرقيون يتقاطع مع ما عبّر عنه القرآن الكريم من رحمة إلهية شاملة ومودة بين البشر. إنه شاهد آخر على أنّ الحب رحلة إنسانية واحدة تغتني بتنوع الثقافات والتقاليد.
