مقدمة
"لماذا أختار دائمًا نفس النوع من الأشخاص؟"
هذا السؤال لا يطرحه الضعفاء أو السذّج. بل يطرحه أذكى الناس وأكثرهم وعيًا. تطرحه الطبيبة التي تقرأ كتب علم النفس وتفهم نظريات التعلّق، لكنها تجد نفسها في الثالثة صباحًا تنتظر رسالة من شخص يتجاهلها منذ أسبوع. يطرحه المهندس الناجح الذي يدير مشاريع بملايين، لكنه يعجز عن الابتعاد عن شريكة تُقلّل من شأنه في كل مناسبة.
النمط يتكرر بشكل يكاد يكون مخيفًا: تنتهي علاقة مؤلمة، تمرّ بفترة تعافٍ، تُقسم أنك لن تكرر الخطأ، ثم تقع في حب شخص يشبه السابق بشكل غريب — ربما ليس في المظهر أو المهنة، لكن في الطريقة التي يجعلك تشعر بها. نفس القلق، نفس عدم الأمان، نفس الإحساس بأنك تجري وراء شخص لا يلتفت إليك بالكامل.
والمحيطون بك يلاحظون ذلك قبلك. أمك تقول: "هذا يشبه السابق." صديقتك المقرّبة تقول بلطف: "ألا تلاحظين نمطًا هنا؟" وأنت في قرارة نفسك تعرف أنهم على حق، لكنك لا تفهم لماذا يحدث هذا، ولا كيف توقفه.
العلم لديه إجابات. وهي إجابات قد تفاجئك، لأنها لا تتعلق بسوء الحظ أو قلة الخيارات أو ضعف الشخصية. الإجابة تبدأ من مكان أعمق بكثير — من طفولتك، من دماغك، ومن جروح لم تلتئم بعد وإن ظننت أنك تجاوزتها منذ زمن.
"الشخص الخطأ" ليس صدفة
هناك اعتقاد شائع أن الحب يحدث بالصدفة. أنك تلتقي بشخص ما في مكان ما، تنظر في عينيه، ويحدث شيء سحري لا يمكن تفسيره. الأفلام والمسلسلات العربية عزّزت هذه الفكرة حتى صارت جزءًا من وعينا الجماعي — الحب قدر، والقلب لا يُستشار.
لكن علم النفس يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. نحن لا نقع في الحب عشوائيًا. هناك عملية اختيار غير واعية تحدث بسرعة مذهلة في اللقاءات الأولى، عملية لا علاقة لها بالمنطق أو القوائم التي نكتبها عن "مواصفات شريك الحياة المثالي."
عالم النفس الأمريكي هارفيل هندريكس طوّر ما يُعرف بـ"نظرية الإيماغو" التي تقول إن كل واحد منا يحمل في لاوعيه صورة مركّبة — صورة تجمع بين صفات الأشخاص الذين أثّروا فينا في طفولتنا، خاصة الوالدين أو من قام بتربيتنا. هذه الصورة ليست صورة لشكل الشريك المثالي، بل هي صورة لشعور معيّن. هي صورة لما كان يبدو عليه "الحب" في سنواتنا الأولى.
المفارقة المؤلمة هي هذه: نحن لا نبحث عمّا هو جيد لنا، بل نبحث عمّا هو مألوف لنا. إذا كان الحب في طفولتك مرتبطًا بالاهتمام والأمان والاستقرار، ستنجذب غالبًا لأشخاص يمنحونك هذه المشاعر. لكن إذا كان الحب في طفولتك مرتبطًا بالقلق والانتظار والمحاولة المستمرة لنيل الرضا، فإن هذا القلق سيبدو لك — بشكل لا واعٍ — كأنه حب. وستنجذب لأشخاص يُعيدون إنتاج هذا الشعور بداخلك.
هذا لا يعني أنك غبي أو ضعيف. بل يعني أن دماغك يفعل ما صُمّم ليفعله: يبحث عن المألوف لأن المألوف يعني البقاء في منطقة معروفة، حتى لو كانت هذه المنطقة مؤلمة.
الطفل الداخلي يختار شريكك
الجرح الأصلي
تخيّل طفلة صغيرة تكبر مع أب يحبها لكنه مشغول دائمًا. يعود من العمل متعبًا، يجلس أمام التلفزيون، ونادرًا ما يسألها عن يومها. هي تحبه بشدة وتريد انتباهه، فتحاول بكل الطرق — تتفوق في المدرسة، تكون مطيعة، تحاول أن تكون "الطفلة المثالية." أحيانًا ينتبه لها ويمنحها لحظات رائعة من الدفء، وأحيانًا كثيرة يكون غائبًا عاطفيًا.
هذه الطفلة تكبر وتصبح امرأة ناجحة ومستقلة. لكن القالب تشكّل في داخلها: الحب يعني أن تسعى، أن تبذل مجهودًا، أن تكسب الانتباه. الحب ليس معطى، الحب يُكتسب. وعندما تلتقي برجل متاح عاطفيًا يمنحها الاهتمام بلا شروط، تشعر بشيء غريب — ليس ارتياحًا، بل مللاً. شيء ناقص. "لا يوجد كيمياء"، تقول لصديقتها.
لكن عندما تلتقي برجل مشغول، بعيد عاطفيًا، يمنحها الاهتمام بشكل متقطع — قلبها يدقّ بقوة. "هذا هو!"، تقول. ما لا تعرفه هو أن الذي يدقّ ليس قلبها فقط، بل جرحها القديم الذي استيقظ فجأة وقال: "أعرف هذا الشعور. هذا يشبه البيت."
كل واحد منا يحمل ما يسميه علماء النفس "الجرح الأصلي" — وهو ليس بالضرورة صدمة كبيرة أو إساءة واضحة. قد يكون مجرد حاجة عاطفية لم تُلبَّ بشكل كافٍ في الطفولة. وهذا الجرح يخلق نمطًا في اللاوعي يعمل كبوصلة خفية توجّهنا نحو أشخاص بعينهم.
إعادة التمثيل
اكتشف فرويد ظاهرة سمّاها "إكراه التكرار" — وهي ميل الإنسان اللاواعي لتكرار المواقف المؤلمة من ماضيه. ليس لأنه يحب الألم، بل لأن في أعماقه أملاً خفيًا يقول: "هذه المرة سأنجح. هذه المرة سأجعل الشخص البعيد يقترب. هذه المرة سأكون كافيًا."
هذا يفسر لماذا تجد نفسك تكرر نفس العلاقة بأشخاص مختلفين. الوجوه تتغير لكن الديناميكية واحدة. أنت لا تبحث عن شريك جديد فعلاً — أنت تبحث عن فرصة جديدة لإصلاح ما انكسر في الماضي.
المشكلة أن هذا لا ينجح أبدًا بهذه الطريقة. لأنك تحاول أن تحصل من شخص بالغ على ما لم تحصل عليه من والديك، وهذا يضع عبئًا هائلاً على العلاقة، عبئًا لا يستطيع أي شريك — مهما كان محبًا — أن يحمله وحده.
الخلط بين الألفة والحب
هنا تكمن المفارقة الأكبر: نحن نخلط بين ما هو مألوف وما هو جيد. عقلنا اللاواعي لا يميّز بين الاثنين. الشعور القديم المعروف — حتى لو كان مؤلمًا — يبدو "طبيعيًا." بينما الشعور الجديد الصحي — الهدوء، الأمان، الاستقرار — يبدو "غريبًا" و"مملاً."
هذا يفسر الشكوى المتكررة: "وجدت شخصًا ممتازًا لكن لا أشعر بشيء تجاهه." الحقيقة أنك تشعر بشيء — تشعر بالأمان — لكن دماغك لم يتعلم أن يُسمّي هذا الشعور "حبًا." دماغك تعلّم أن الحب يساوي القلق والسعي والانتظار، فعندما لا يجد هذه المشاعر، يستنتج أن الحب غائب.
الكيمياء الكاذبة: عندما يخدعك دماغك
الأدرينالين ليس حبًا
في تجربة نفسية مشهورة، طلب الباحثون من رجال المشي على جسر معلّق مرتفع ومخيف. في نهاية الجسر، كانت تنتظرهم امرأة جميلة تطلب منهم ملء استبيان وتعطيهم رقم هاتفها. المجموعة الأخرى فعلت الشيء نفسه لكن على جسر ثابت وآمن. النتيجة: الرجال الذين مشوا على الجسر المخيف اتصلوا بالمرأة بنسبة أعلى بكثير. لماذا؟ لأن أجسادهم كانت تضخ الأدرينالين من الخوف، وأدمغتهم فسّرت هذا الأدرينالين على أنه انجذاب.
هذه الظاهرة تُسمى "الإسناد الخاطئ للإثارة" وهي تحدث في علاقاتنا أكثر مما نتصور. عندما تكون مع شخص يجعلك قلقًا — هل يحبني؟ هل سيتصل؟ هل أنا كافٍ؟ — جسمك يكون في حالة استنفار. قلبك يدقّ بسرعة، تفكيرك مشغول طوال الوقت، لا تستطيع النوم. ثم تقول: "أنا واقع في الحب بجنون." لا، أنت واقع في القلق بجنون. لكن الجسم لا يعرف الفرق.
الدراما تشعرنا بالحياة. العلاقة الهادئة المستقرة لا تُنتج هذا القدر من الأدرينالين، فنظنها باردة وبلا مشاعر. بينما العلاقة المتقلبة — يوم يحبك ويوم يتجاهلك — تشعرك بأنك في فيلم رومانسي مثير. المشكلة أن الأفلام تنتهي بعد ساعتين، أما أنت فتعيش في هذا الفيلم سنوات من عمرك.
دورة الدوبامين السامة
هل تعرف لماذا يصعب على الناس التوقف عن القمار رغم أنهم يخسرون أكثر مما يربحون؟ السر يكمن في ما يسميه علماء النفس "التعزيز المتقطع" — أي أن المكافأة تأتي بشكل غير متوقع وغير منتظم. هذا النمط يُنتج أعلى مستويات الدوبامين في الدماغ، أعلى حتى من المكافأة الثابتة والمضمونة.
والآن طبّق هذا على علاقتك مع "الشخص الخطأ." يوم يكون دافئًا ومحبًا ويمنحك كل الاهتمام — هذا يوم "الربح." ثم يختفي ثلاثة أيام بلا سبب واضح — هذه أيام "الخسارة." ثم يعود فجأة برسالة لطيفة — وتشعر بسعادة غامرة لا تتناسب مع مجرد رسالة، لأن دماغك يضخ الدوبامين بكميات هائلة.
هذا هو نفس الميكانيزم الذي يجعل إدمان المخدرات صعب العلاج. حرفيًا، العلاقة السامة تُدمن الدماغ. ولهذا عندما تنتهي، تشعر بأعراض انسحاب حقيقية — أرق، قلق، عدم قدرة على التركيز، رغبة ملحّة في العودة رغم معرفتك أنها ستؤلمك.
لماذا "الشخص الطيب" لا يثير نفس المشاعر
"وجدت شابًا محترمًا من عائلة طيبة، يحبني ويحترمني ومستقر ماديًا. كل شيء فيه ممتاز على الورق. لكن لا أحس بشيء."
كم مرة سمعت هذه الجملة أو قلتها أنت؟ هذه ليست مشكلة في "الشخص الطيب." هذه مشكلة في برمجة دماغك.
عندما يكون دماغك معتادًا على دورة الأدرينالين والدوبامين التي تنتجها العلاقات المضطربة، فإن العلاقة الهادئة تبدو كأنك تشاهد شاشة ثابتة بعد سنوات من مشاهدة أفلام الأكشن. ليس لأن الشاشة الثابتة سيئة، بل لأن جهازك العصبي اعتاد على مستوى معين من الإثارة وأصبح يعتبره هو الطبيعي.
ذلك الشعور الذي تسميه "فراشات في المعدة" غالبًا ليس حبًا — إنه قلق. الشخص الآمن لا يُنتج هذا القلق، فتظن أن المشاعر غائبة. بينما الحقيقة أن ما هو غائب هو الخوف والتوتر اللذان اعتدت على تسميتهما حبًا.
الأنماط الأكثر شيوعًا
المنقذ والضحية
هذا النمط شائع جدًا في مجتمعاتنا العربية، خاصة عند الرجال الذين نشأوا وهم يرون أمهاتهم تعانين. يكبر هذا الشخص ويبحث لا شعوريًا عن شخص "يحتاج إنقاذه" — شريكة تعاني من مشاكل عائلية، أو اكتئاب، أو ظروف صعبة.
في البداية يشعر بأنه بطل. يشعر بقيمته من خلال ما يقدمه. لكن مع الوقت، يكتشف أنه مرهق ومستنزف وأنه نسي نفسه تمامًا. والشريك الآخر يكتشف أنه لم يتعافَ فعلاً لأن شخصًا آخر يحمل عنه كل شيء.
المنقذ يظن أنه يحب، لكنه في الحقيقة يهرب من مواجهة فراغه الداخلي بالانشغال بمشاكل الآخرين.
المتعلّق والمتجنّب
هذا النمط هو الأكثر شيوعًا وربما الأكثر إيلامًا. شخص ذو نمط تعلّق قلق يقع في حب شخص ذو نمط تعلّق تجنبي. يبدو الأمر وكأنهما مصمّمان ليجدا بعضهما — وهما فعلاً كذلك، لكن ليس بالطريقة الرومانسية التي نتمناها.
المتعلّق القلق يريد القرب والتأكيد المستمر. يرسل رسالة وينتظر الرد بقلق. يحتاج أن يسمع "أحبك" كل يوم. يقرأ كل تأخر في الرد على أنه دليل على عدم الاهتمام.
المتجنّب يحتاج مساحته الشخصية. يشعر بالاختناق من كثرة المتطلبات. يبتعد عندما يشعر بالضغط. ليس لأنه لا يحب، بل لأن القرب يثير فيه قلقًا قديمًا يتعامل معه بالانسحاب.
فتبدأ الرقصة المؤلمة: المتعلّق يقترب، المتجنّب يبتعد. المتعلّق يقترب أكثر بدافع القلق، المتجنّب يبتعد أكثر بدافع الاختناق. ثم يبتعد المتعلّق يائسًا، فيشعر المتجنّب بالأمان ويعود. وهكذا في دائرة لا تنتهي، كل واحد يُحفّز أسوأ مخاوف الآخر.
المعجب والنرجسي
النرجسي بارع في البدايات. يملك قدرة مذهلة على أن يجعلك تشعر أنك أهم شخص في العالم. يغمرك بالاهتمام والمديح والهدايا والوعود الكبيرة. هذه المرحلة تُسمى "مرحلة التقديس" وهي أشبه بمخدّر قوي المفعول.
الشخص الذي يقع في هذا الفخ غالبًا ما يكون شخصًا يعاني من تقدير ذات منخفض، شخصًا لم يسمع في طفولته ما يكفي من كلمات التقدير. فعندما يأتي النرجسي ويقول له: "أنت مذهل، لم أقابل أحدًا مثلك في حياتي"، يشعر كأن عطشًا قديمًا قد ارتوى أخيرًا.
لكن بعد أن يطمئن النرجسي أنك "في الشبكة"، يبدأ التقليل التدريجي — نقد خفي، مقارنات مؤلمة، سحب الاهتمام، تلاعب بمشاعرك. وأنت تبقى لأنك تتذكر تلك البداية المذهلة وتحاول استعادتها، لا تدري أنها كانت مجرد طُعم ولن تعود.
المثالي والمسيطر
هذا النمط شائع بشكل خاص في بعض البيئات العربية المحافظة. شخص نشأ في بيئة صارمة جدًا حيث كان مطلوبًا منه أن يكون مثاليًا في كل شيء — في الدراسة، في السلوك، في المظهر. هذا الشخص يكبر ويجد نفسه منجذبًا لشريك مسيطر، لأن السيطرة تبدو له مألوفة ومريحة. شخص يقول له ماذا يلبس وأين يذهب ومع من يتحدث.
يظن في البداية أن هذه السيطرة هي "اهتمام" و"غيرة" و"حب." وربما يسمع من المحيطين به أن هذا دليل على حب الشريك الشديد. لكن مع الوقت، يجد نفسه يفقد صوته، ورأيه، وحريته، وهويته — تمامًا كما كان يحدث في طفولته.
كيف تكسر الدائرة
الخبر الجيد هو أن هذه الدائرة يمكن كسرها. الأنماط التي تعلّمتها يمكن أن تُعاد برمجتها. الأمر ليس سهلاً ولا سريعًا، لكنه ممكن تمامًا. وهذه خطوات عملية مبنية على ما أثبتته الأبحاث والتجارب العلاجية.
الخطوة الأولى: التعرف على النمط
لا يمكنك تغيير ما لا تراه. الخطوة الأولى هي أن تجلس مع نفسك — بصراحة تامة وبدون أحكام — وترسم خريطة لتاريخك العاطفي.
ثم ابحث عن الخيط المشترك. لا تبحث عن التشابه في المظهر أو المهنة. ابحث عن التشابه في الشعور. كيف كان يجعلك كل واحد منهم تشعر؟ ستكتشف غالبًا أن الشعور واحد وإن اختلفت التفاصيل. هذا الشعور المتكرر هو بصمة جرحك الأصلي.
الخطوة الثانية: فهم الجرح الأصلي
بعد أن تتعرف على النمط، حان الوقت للسؤال الأصعب: ماذا كان ينقصك في طفولتك؟
هذا ليس سؤالاً يُقصد به لوم الأهل. معظم الآباء والأمهات يفعلون أفضل ما يستطيعون بالأدوات التي يملكونها. لكن لا يوجد أب أو أم مثاليان، وكلنا نخرج من الطفولة ببعض الاحتياجات غير الملبّاة.
جرّب هذا التمرين: اكتب في دفتر خاص إجابتك على هذه الأسئلة:
الربط بين إجاباتك على هذه الأسئلة وبين أنماط علاقاتك سيكون كأنك أشعلت ضوءًا في غرفة مظلمة كنت تتعثر فيها سنوات.
الخطوة الثالثة: تعلّم التمييز بين الإثارة والحب الحقيقي
هذه الخطوة تتطلب صبرًا، لأنها تعني أنك ستتعلم لغة جديدة لجسمك ومشاعرك.
علامات التحذير في بدايات العلاقة:
علامات الحب الصحي في البدايات:
"الحب البطيء" — أي الحب الذي ينمو تدريجيًا مع التعرف العميق على الشخص — ليس أقل قيمة من "الحب من أول نظرة." بل العكس هو الصحيح غالبًا. الحب الذي يبدأ هادئًا ويكبر مع الوقت يشبه الشجرة التي تمد جذورها عميقًا في الأرض — قد تنمو ببطء، لكنها لا تسقط بسهولة.
الخطوة الرابعة: اختيار واعٍ بدل اختيار عاطفي
هذا لا يعني أن تتحول إلى إنسان آلي يختار شريكه من جدول بيانات. المشاعر مهمة وضرورية. لكن المشاعر وحدها — خاصة في الأشهر الأولى — ليست مرشدًا موثوقًا.
استخدم قلبك وعقلك معًا. اسأل نفسك: "هل أنا منجذب لهذا الشخص لأنه فعلاً إنسان طيب ومناسب لي؟ أم لأنه يُحفّز فيّ شعورًا قديمًا مألوفًا؟"
هناك قاعدة عملية مفيدة: قاعدة التسعين يومًا. أعطِ أي علاقة جديدة تسعين يومًا على الأقل قبل أن تحكم عليها. ليس لأن تسعين يومًا رقم سحري، بل لأن هذا هو تقريبًا الوقت الذي يحتاجه الدماغ لتتراجع موجة المواد الكيميائية الأولى ويبدأ بالرؤية بشكل أوضح. في هذه الفترة:
الخطوة الخامسة: العلاج النفسي
هناك لحظة يجب أن تعترف فيها بصدق أن المعرفة وحدها لا تكفي. يمكنك أن تقرأ عشرين كتابًا عن أنماط التعلق وتظل تكرر نفس الأنماط. لماذا؟ لأن الأنماط لا تعيش في عقلك الواعي — تعيش في جسمك وأعصابك ولاوعيك، وهذه تحتاج أكثر من مجرد معلومات لتتغير.
أنواع العلاج التي أثبتت فعاليتها:
لا تنتظر حتى تصل لحالة أزمة. اللجوء للعلاج النفسي ليس ضعفًا بل هو من أشجع القرارات التي يمكنك اتخاذها. أنت تقول: "لن أسمح لجروح الماضي أن تحدد مستقبلي."
وفي عالمنا العربي، بدأ الوعي بأهمية الصحة النفسية يتزايد بشكل ملحوظ. لم يعد العلاج النفسي وصمة كما كان في الماضي، وأصبح هناك معالجون ومعالجات متخصصون يفهمون السياق الثقافي العربي ويعملون به.
علامات أنك بدأت تختار بشكل أصحّ
التغيير لا يحدث بين يوم وليلة. لكنه يحدث. وعندما يبدأ بالحدوث، ستلاحظ فرقًا جوهريًا في شعورك داخل العلاقة:
خلاصة
الوقوع في حب "الشخص الخطأ" ليس عيبًا فيك ولا سوء حظ ولا قدرًا محتومًا. إنه نتيجة طبيعية لبرمجة عميقة حدثت في سنوات لم يكن لك فيها أي خيار. الطفل الذي كنته لم يختر كيف يتعلم الحب — تعلّمه بالطريقة الوحيدة المتاحة.
لكنك الآن لست ذلك الطفل. أنت بالغ يملك وعيًا ومعرفة وقدرة على الاختيار. ولديك شيء لم يكن لدى ذلك الطفل: القدرة على أن تمنح نفسك ما لم يمنحك إياه أحد. القدرة على أن تقول: "أستحق حبًا لا يؤلمني. أستحق شريكًا يمنحني الأمان لا القلق. أستحق علاقة أشعر فيها بالسلام."
الطريق ليس قصيرًا. ستجد نفسك أحيانًا منجذبًا للأنماط القديمة — وهذا طبيعي. التعافي ليس خطًا مستقيمًا بل منحنى فيه صعود وهبوط. المهم ألا تستسلم، وأن تتذكر أن كل مرة تختار فيها وعيًا بدل العادة، تكون قد خطوت خطوة نحو حياة عاطفية مختلفة تمامًا.
لأن أجمل حب هو ذلك الذي لا تحتاج فيه أن تفقد نفسك لتجد الآخر.
