مقدمة
تخيّل هذا المشهد: زوجان يجلسان في مقهى. هي تمدّ يدها نحو هاتفه لتريه صورة طريفة، فيسحب الهاتف بحركة لا إرادية ويبتعد قليلاً بجسده. لا يفعل ذلك لأنه يُخفي شيئاً، بل لأن شيئاً ما في داخله — شيئاً أقدم من هذه العلاقة بكثير — يجعله يحتاج إلى تلك المسافة الصغيرة.
في المقابل، تجلس في الطاولة المجاورة فتاة تراقب هاتفها كل ثلاثين ثانية. حبيبها لم يردّ على رسالتها منذ ساعة، وهي الآن تتأرجح بين كتابة رسالة ثانية وبين حذف المحادثة بأكملها. تعرف أنها تبالغ في ردّة فعلها، لكنها لا تستطيع إيقاف ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس: "لقد ملّ منك".
هذان ليسا شخصين "سيئين" في الحب. إنهما ببساطة شخصان يحملان أنماط تعلّق مختلفة — أنماط تشكّلت قبل أن يعرف أيّ منهما معنى كلمة "علاقة".
نظرية التعلّق العاطفي هي واحدة من أكثر النظريات النفسية تأثيراً في فهمنا للعلاقات الإنسانية. وهي ليست مجرد نظرية أكاديمية جافة، بل هي مفتاح يفتح لنا أبواباً كنّا نقف أمامها حائرين: لماذا نختار الشريك الذي نختاره؟ لماذا نتصرّف بطرق تُدمّر ما نحبّ؟ ولماذا نكرّر أحياناً الأنماط نفسها في كل علاقة جديدة؟
في هذا المقال، سنغوص معاً في أنماط التعلّق الأربعة الرئيسية، وسنفهم كيف تتشكّل، وكيف تؤثر على علاقاتنا، والأهم من ذلك كله: كيف يمكننا تغييرها.
ما هي نظرية التعلّق؟
في خمسينيات القرن العشرين، لاحظ الطبيب النفسي البريطاني جون بولبي (John Bowlby) شيئاً بدا بديهياً لكنه كان ثورياً في زمنه: أن الأطفال الذين يُفصلون عن أمهاتهم يعانون من ضائقة نفسية عميقة، حتى لو تمّ تلبية جميع حاجاتهم المادية من طعام ودفء ونظافة. خلص بولبي إلى أن الحاجة إلى رابطة عاطفية آمنة مع مقدّم الرعاية ليست رفاهية، بل هي حاجة بيولوجية أساسية لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الطعام والماء.
ثم جاءت عالمة النفس ماري أينسوورث (Mary Ainsworth) في الستينيات والسبعينيات وطوّرت تجربة شهيرة سُمّيت "الموقف الغريب" (Strange Situation)، راقبت فيها ردود فعل الأطفال الصغار عندما تغادر أمهاتهم الغرفة ثم يعدن. ما اكتشفته غيّر فهمنا للعلاقات الإنسانية إلى الأبد: لم يكن جميع الأطفال يتفاعلون بالطريقة نفسها. بعضهم بكى ثم هدأ عند عودة الأم، وبعضهم بدا غير مبالٍ، وبعضهم دخل في حالة من الارتباك والغضب المتناقض.
من هذه الملاحظات وُلدت أنماط التعلّق الأساسية، وتبيّن لاحقاً أنها لا تختفي مع انتهاء الطفولة. بل إنها تنتقل معنا إلى علاقاتنا الرومانسية، وصداقاتنا، بل وحتى علاقاتنا المهنية.
المبدأ الجوهري في نظرية التعلّق بسيط لكنه عميق: علاقاتنا الأولى مع مقدّمي الرعاية تخلق ما يُسمّى "النموذج الداخلي العامل" (Internal Working Model) — وهو بمثابة خريطة ذهنية نحملها في لاوعينا تُخبرنا: هل أنا جدير بالحب؟ هل الآخرون جديرون بالثقة؟ هل العالم مكان آمن؟
هذه الخريطة لا تُكتب بالكلمات، بل بالتجارب المتكررة: هل كان أحد يأتي عندما بكيت؟ هل كانت استجابة أمي مستقرة أم متقلّبة؟ هل كنت أشعر بأنني مرئي ومسموع؟ والإجابات عن هذه الأسئلة، التي تتراكم في السنوات الأولى من الحياة، تُشكّل القالب الذي نصبّ فيه كل علاقاتنا المستقبلية.
والآن، دعنا نتعرّف على كل نمط من أنماط التعلّق الأربعة بالتفصيل.
النمط الآمن (Secure Attachment)
النمط الآمن هو — ببساطة — ما تبدو عليه العلاقة الصحية. وإذا كنت تقرأ هذا وتظن أن الأشخاص ذوي التعلّق الآمن لا يواجهون مشاكل في علاقاتهم، فدعني أصحح هذا الانطباع: هم يواجهون مشاكل، لكنهم يتعاملون معها بطريقة مختلفة جذرياً. تشير الأبحاث إلى أن حوالي 50-60% من الناس يندرجون ضمن هذا النمط، وهو خبر جيد ومُطمئن.
كيف يتصرف في العلاقة
الشخص ذو التعلّق الآمن يستطيع أن يكون قريباً دون أن يذوب في الآخر، ومستقلاً دون أن ينعزل عنه. يبدو الأمر بسيطاً عندما نقرأه، لكنه في الواقع توازن دقيق لا يُتقنه الجميع.
في الحياة اليومية، يبدو ذلك كالتالي:
كيف نشأ هذا النمط
ينمو التعلّق الآمن في بيئة يكون فيها مقدّم الرعاية متاحاً عاطفياً بشكل مستقر ومتّسق. هذا لا يعني الكمال — فلا يوجد أب أو أم كاملان — بل يعني أن الطفل تعلّم أن احتياجاته ستُلبّى في الغالب، وأن مشاعره مقبولة ومُقدّرة، وأن العالم مكان يمكن الوثوق به بشكل عام.
الطفل الذي بكى فأتى أحدهم ليحمله ويُهدّئه، والذي ابتسم فابتسم له أحد في المقابل، والذي غضب فلم يُعاقب على غضبه بل ساعده أحدهم على فهمه — هذا الطفل يبني خريطة داخلية تقول: "أنا أستحق الرعاية، والناس حولي يمكن الاعتماد عليهم".
نقاط القوة والتحديات
نقاط القوة واضحة: مرونة عاطفية، قدرة على حل النزاعات، علاقات أكثر استقراراً وإشباعاً، وصحة نفسية أفضل بشكل عام. الأشخاص ذوو التعلّق الآمن يميلون أيضاً لأن يكونوا أكثر تعاطفاً ودعماً لشركائهم.
التحدي الرئيسي هو أنهم قد يجدون صعوبة في فهم شريك ذي نمط غير آمن. قد يبدو لهم القلق المفرط أو التجنّب العاطفي أمراً غريباً وغير مبرر، وقد يحتاجون لبذل جهد إضافي لفهم أن شريكهم ليس "صعباً" بل يعمل وفق خريطة مختلفة.
النمط القلق (Anxious Attachment)
إذا كان هناك نمط تعلّق يمكن وصفه بكلمة واحدة، فإن كلمة النمط القلق ستكون: "كفاية؟" — هل أنا كافٍ؟ هل حبك لي كافٍ؟ هل هذه العلاقة كافية أم أنها على وشك الانتهاء؟ يُقدّر أن 20-25% من الناس يحملون هذا النمط.
كيف يتصرف في العلاقة
الشخص القلق في التعلّق يحبّ بكثافة عالية وبحساسية مفرطة تجاه أي إشارة — حقيقية أو متخيّلة — تدلّ على الرفض أو الابتعاد. وهذا ليس "دراما" أو "مبالغة" كما قد يصفه البعض بقسوة، بل هو جهاز إنذار داخلي يعمل بحساسية أعلى من اللازم.
هناك مفارقة مؤلمة في النمط القلق: السلوكيات التي يلجأ إليها الشخص القلق لتقريب الشريك (الاتصال المتكرر، طلب التطمينات المستمرة، الغيرة) هي نفسها التي تدفع الشريك بعيداً. يريد القرب فيفعل ما يصنع المسافة.
كيف نشأ هذا النمط
التعلّق القلق ينشأ عادةً في بيئة كان فيها مقدّم الرعاية متقلّباً في استجابته: أحياناً حاضراً بحبّ كبير، وأحياناً غائباً أو منشغلاً أو مكتئباً. المشكلة ليست في غياب الحب، بل في عدم القدرة على التنبّؤ به.
الطفل في هذه البيئة يتعلم أن الحب موجود لكنه ليس مضموناً. فيصبح في حالة يقظة دائمة، يراقب وجه أمه أو أبيه بحثاً عن إشارات: هل هذا يوم جيد؟ هل أنت متاح لي اليوم؟ وهذه اليقظة الدائمة تنتقل معه إلى علاقاته الرومانسية لاحقاً.
من المهم أن نفهم أن الوالد لم يكن بالضرورة سيئاً أو مهملاً. قد يكون والداً محباً لكنه كان يعاني من ضغوط الحياة، أو من اكتئاب، أو من ظروف صعبة جعلت حضوره العاطفي متذبذباً. النتيجة واحدة: طفل تعلّم أن عليه "العمل بجدّ" للحصول على الحب والحفاظ عليه.
نقاط القوة والتحديات
نقاط القوة: الأشخاص ذوو التعلّق القلق غالباً ما يكونون أشخاصاً عاطفيين وحساسين بشكل جميل. لديهم قدرة عالية على التعاطف مع الآخرين، وهم شركاء مخلصون وملتزمون بعمق. حين يشعرون بالأمان، يكون حبهم دافئاً وسخياً ومُلهماً.
التحديات تتمحور حول القلق المزمن الذي يستنزف طاقتهم وطاقة شركائهم. الغيرة المفرطة، والحاجة المستمرة للتطمين، والميل لتفسير الأمور بشكل كارثي — كل هذا يمكن أن يُرهق العلاقة ويخلق حلقة مفرغة من القلق والتوتر.
النمط التجنبي (Avoidant Attachment)
إذا كان شعار النمط القلق هو "أقترب أكثر"، فإن شعار النمط التجنبي هو "أحتاج مساحتي". الشخص التجنبي يحبّ — وهذا مهم جداً أن نفهمه — لكنه يشعر بالتهديد عندما يصبح القرب كبيراً جداً، فينسحب ليحافظ على ما يشعر أنه مساحته الآمنة. حوالي 20-25% من الناس يُصنّفون ضمن هذا النمط.
كيف يتصرف في العلاقة
هناك مفارقة موجعة هنا أيضاً: الشخص التجنبي كثيراً ما يشعر بالحنين والحب تجاه شريكه عندما يبتعد عنه. وهناك ظاهرة معروفة في علم النفس حيث يشعر الشخص التجنبي بموجة حبّ قوية تجاه شريكه السابق فور الانفصال — لأن المسافة أزالت الشعور بالتهديد، وسمحت للمشاعر الحقيقية بالظهور.
كيف نشأ هذا النمط
التعلّق التجنبي ينشأ عادة في بيئة تعلّم فيها الطفل أن الاعتماد على الآخرين ليس خياراً آمناً. قد يكون مقدّم الرعاية باعداً عاطفياً، أو غير مرتاح مع إظهار المشاعر، أو كان يُكافئ "القوة" و"الاستقلالية" ويُعاقب — ولو بشكل غير مباشر — على البكاء أو الحاجة أو طلب المساعدة.
تخيّل طفلاً يسقط ويبكي، فيقول له أبوه: "قم، الرجال لا يبكون". أو طفلة تريد حضن أمها، فتجدها مشغولة دائماً أو باردة عاطفياً. هؤلاء الأطفال لا يتوقفون عن الحاجة إلى الحب والقرب — هذه حاجة بيولوجية لا يمكن إلغاؤها — لكنهم يتعلمون كبت هذه الحاجة والتظاهر بعدم وجودها. يتعلّمون أن يقولوا لأنفسهم: "أنا لا أحتاج أحداً. أنا بخير وحدي".
وهذا ما يحملونه معهم إلى كل علاقة لاحقة: الحاجة إلى الحب موجودة في الأعماق، لكنها مغطاة بطبقات من الدفاعات.
نقاط القوة والتحديات
نقاط القوة: الأشخاص ذوو التعلّق التجنبي غالباً ما يكونون أشخاصاً مستقلين وأقوياء وقادرين على التعامل مع الأزمات بهدوء. لا ينهارون بسهولة، ولديهم قدرة عالية على التركيز والإنجاز. كما أنهم يحترمون استقلالية شريكهم ولا يميلون للتملّك.
التحديات: صعوبة بناء العمق العاطفي في العلاقة، وميل للانسحاب في أكثر اللحظات التي يحتاج فيها الشريك إلى الحضور. قد يشعر شركاؤهم بأنهم يعيشون مع شخص بعيد المنال — قريب جسدياً لكنه بعيد عاطفياً. وأصعب ما في الأمر أن الشخص التجنبي قد لا يُدرك أنه يفعل ذلك، لأن آليات الدفاع لديه تعمل بشكل تلقائي ولا واعٍ.
النمط المضطرب (Disorganized/Fearful-Avoidant)
هذا هو أكثر الأنماط تعقيداً وألماً، ويُعرف أيضاً بالنمط الخائف-التجنبي. إنه مزيج من القلق والتجنب في الوقت نفسه — الشخص يُريد القرب ويخشاه في آن واحد. يُقدّر أن 5-10% من الناس يحملون هذا النمط.
كيف يتصرف في العلاقة
تخيّل أن شخصاً يقول لك: "تعال قريباً مني... لا، ابتعد... لا، عُد!" — هذا يلخّص التجربة الداخلية للنمط المضطرب. إنه صراع مستمر بين الحاجة الماسة إلى الحب والخوف العميق منه.
كيف نشأ هذا النمط
النمط المضطرب غالباً ما يكون نتيجة تجارب طفولة كان فيها مقدّم الرعاية نفسه مصدراً للخوف والأمان في آن واحد. هذا يحدث في حالات الإساءة الجسدية أو العاطفية، أو الإهمال الشديد، أو وجود والد يعاني من صدمات نفسية لم تُعالج.
الطفل في هذه البيئة يواجه معضلة مستحيلة: الشخص الذي يُفترض أن يكون ملاذه الآمن هو نفسه مصدر خوفه. فلا يستطيع أن يقترب (لأن الاقتراب خطير) ولا يستطيع أن يبتعد (لأنه طفل يحتاج إلى هذا الشخص). فتنهار لديه القدرة على بناء استراتيجية تعلّق متماسكة، ويعيش في حالة من الفوضى الداخلية.
من المهم جداً أن نتعامل مع هذا النمط بتعاطف كبير. أصحاب هذا النمط يحملون في داخلهم ألماً حقيقياً، وسلوكياتهم — مهما بدت مربكة أو صعبة — هي في جوهرها محاولات للبقاء والتكيّف مع ظروف كانت أكبر من طاقة طفل صغير.
ماذا يحدث عندما يلتقي نمطان مختلفان؟
العلاقات العاطفية لا تحدث في فراغ نظري. في الواقع، يلتقي شخصان بنمطين مختلفين، ويبدأ بينهما رقصة معقدة قد تكون جميلة ومُشبعة، أو مؤلمة ومدمّرة.
الفخ الأشهر: القلق يلتقي بالتجنّب
هذا هو أكثر الأنماط شيوعاً وأكثرها إرهاقاً. وهو ليس صدفة أن هذين النمطين ينجذبان إلى بعضهما بشكل متكرر — فكل منهما يُعيد تنشيط جروح الطفولة لدى الآخر.
يبدأ الأمر هكذا: الشخص القلق يشعر بالقلق فيقترب أكثر ويطلب تطميناً. الشخص التجنبي يشعر بالاختناق من هذا الاقتراب فينسحب ويطلب مسافة. انسحاب التجنبي يُضاعف قلق القلق، فيقترب أكثر. واقتراب القلق يُضاعف حاجة التجنبي للانسحاب. وهكذا تدور الحلقة المفرغة التي يُسمّيها علماء النفس "مطاردة-هروب" (Pursue-Withdraw Cycle).
المفارقة المحزنة هي أن كليهما يريد الشيء نفسه في العمق: علاقة آمنة ومحبة. لكنهما يبحثان عنها بطريقتين متعاكستين.
الآمن مع أي نمط آخر
الخبر الجيد هو أن وجود شريك ذي تعلّق آمن يُحدث فرقاً هائلاً. الشريك الآمن يعمل كقاعدة أمان يمكن الارتكاز عليها — فهو لا ينسحب عندما يقلق الشخص القلق، ولا يُلاحق الشخص التجنبي عندما يحتاج مسافة. هذا الاستقرار يُتيح للنمط غير الآمن أن يتعلّم تدريجياً أن العلاقة يمكن أن تكون مكاناً آمناً.
تُظهر الأبحاث أن العيش مع شريك آمن لسنوات يمكن أن يُعدّل نمط التعلّق بشكل فعلي. ليس بين ليلة وضحاها، بل من خلال تراكم التجارب الإيجابية التي تُعيد كتابة الخريطة الداخلية القديمة.
ديناميكيات أخرى
هل يمكن تغيير نمط التعلّق؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يطرحه الجميع بعد معرفة نمطهم: هل أنا محكوم بهذا النمط إلى الأبد؟
والجواب — وهو أكثر ما يبعث على الأمل في هذا المقال كله — هو: لا، نمط التعلّق ليس حكماً نهائياً. يمكن تغييره، وتُسمّى هذه العملية في علم النفس "الأمان المكتسب" (Earned Secure Attachment).
أظهرت دراسات عديدة أن الأشخاص الذين عملوا على فهم نمط تعلّقهم وتعديله يمكنهم الوصول إلى تعلّق آمن يُشبه في جودته التعلّق الآمن الذي نشأ في الطفولة. الفرق الوحيد هو أن الطريق كان أطول وأكثر وعياً.
العلاج النفسي: الأداة الأكثر فعالية
العلاج النفسي — وخاصة الأنواع التي تُركّز على العلاقة بين المعالج والمتعالج — يُتيح تجربة علاقة آمنة ربما للمرة الأولى في حياة الشخص. المعالج الجيد يكون حاضراً ومستقراً ومتقبّلاً — وهي تجربة تصحيحية تُعيد برمجة النموذج الداخلي تدريجياً.
من الأساليب العلاجية الفعّالة بشكل خاص:
الوعي الذاتي: الخطوة الأولى والأهم
لا يمكنك تغيير ما لا تراه. والوعي بنمط تعلّقك هو في حد ذاته خطوة علاجية. عندما تبدأ بملاحظة ردود فعلك التلقائية — "أنا الآن أشعر بقلق شديد لأنه لم يتصل، وأعرف أن هذا مرتبط بنمطي القلق" — فأنت تخلق مسافة بين المثير والاستجابة، وهذه المسافة هي مساحة الحرية والاختيار.
خطوات عملية يمكنك البدء بها اليوم
دور الشريك الآمن
إذا كنت في علاقة مع شخص ذي تعلّق غير آمن، فإن أهم ما يمكنك فعله هو أن تكون مصدراً ثابتاً ومتّسقاً للأمان. هذا لا يعني أن تتحمّل سلوكيات مؤذية، بل يعني أن تكون واضحاً في حدودك وثابتاً في حضورك. لا تنسحب عندما يقلق شريكك القلق، ولا تُلاحق شريكك التجنبي عندما يحتاج مسافة. كن صخرة في بحر متقلّب — حاضراً ومستقراً.
كيف تعرف نمط تعلّقك؟
معرفة نمط تعلّقك ليست مجرد تمرين فكري ممتع، بل هي خطوة عملية نحو علاقات أفضل وحياة عاطفية أكثر صحة. إليك بعض الأسئلة التي قد تساعدك على التعرّف على نمطك:
قد تكون قلقاً في التعلّق إذا:
قد تكون تجنبياً في التعلّق إذا:
قد يكون تعلّقك مضطرباً إذا:
متى تطلب مساعدة مهنية؟
نمط التعلّق ليس تشخيصاً طبياً، ولا يوجد نمط "مريض" ونمط "سليم". لكن إذا وجدت أن نمط تعلّقك يُسبب لك معاناة حقيقية، أو يُدمّر علاقاتك بشكل متكرر، أو يمنعك من بناء القرب الذي تتوق إليه — فإن العمل مع معالج نفسي متخصص يمكن أن يُحدث تحولاً حقيقياً في حياتك.
لا تتردد في طلب المساعدة. فالاعتراف بأنك بحاجة إلى دعم ليس ضعفاً — بل هو في الحقيقة أول خطوة نحو التعلّق الآمن.
خلاصة
أنماط التعلّق ليست أحكاماً أبدية، وليست صناديق نُوضع فيها إلى الأبد. إنها خرائط رسمتها أيدي الطفولة، ويمكن لأيدي الوعي والنضج أن تُعيد رسمها.
ما تعلّمناه اليوم يمكن تلخيصه في بضع حقائق جوهرية:
الحب ليس مجرد شعور جميل نقع فيه. الحب مهارة نتعلّمها، ووعي ننمّيه، وخيارات نتخذها كل يوم. وأول هذه الخيارات هو أن نفهم أنفسنا — بكل ما نحمله من جروح قديمة وأنماط موروثة — ثم نقرر بوعي وشجاعة أن نحبّ بطريقة أفضل.
فأياً كان نمط تعلّقك اليوم، اعلم أن قصتك لم تنتهِ بعد. وأجمل فصولها قد تكون تلك التي تكتبها بنفسك.
