على قمة جبل هيندرفيال، فوق الغيوم والثلوج، اشتعلت حلقة من نار لم تخمد قط. ألسنة اللهب البرتقالية والحمراء تقفز نحو السماء، وحرارتها أذابت الثلج حولها في دائرة مثالية من أرض جافة. داخل حلقة النار، على فراش من الدروع والتروس، رقدت برينهيلد — فالكيريا، محاربة سماوية مهمتها اختيار الأبطال الذين يسقطون في المعركة وحمل أرواحهم إلى فالهالا. لكن برينهيلد عصت أمر أودين، أبي الآلهة — فقد أمرها بمنح النصر لمحارب بعينه، فاختارت محارباً آخر، ذاك الذي أملى عليها قلبها أنه الأجدر. عقاباً لها، ضُربت بشوكة نوم سحري وأُضجعت فوق الجبل، محاطة بالنار. "وحده بطل لا يعرف الخوف يستطيع عبور اللهب،" قضى أودين. "وله ستكونين خاضعة."
سيغورد بن سيغموند كان بطلاً من سلالة أبطال. جدّه فولسونغ، كان أودين نفسه قد غرس شجرة عائلته. قتل سيغورد التنين فافنير — مخلوق عتيق ربض فوق كومة هائلة من الذهب — وحين تناثر دم التنين المغلي عليه، استحم به فغسل جسده كله. منح الدم جلده صلابة الحديد، منيعاً ضد كل سلاح — عدا نقطة صغيرة واحدة في ظهره، بين كتفيه، حيث سقطت ورقة زيزفون وحالت دون أن يمس الدم جلده هناك. أما سيفه، غرام، فكان أحدّ نصل في الكون — أودين نفسه حطم السيف الأصلي، وسيغورد أعاد صهره وتشكيله، وحين اختبره شطر السندان إلى نصفين.
حين امتطى سيغورد جواده غراني متجهاً نحو جبل هيندرفيال ورأى حلقة النار، لم يتردد. حثّ غراني إلى الأمام، فقفز الجواد عبر اللهب كأنه يعبر حقل أزهار. على الجانب الآخر وجد برينهيلد راقدة في درع فالكيريا الثقيل. قطع بحذر أربطة الدرع، وأزال الخوذة، فانكشف وجه جعل قلب بطل لا يعرف الخوف يتوقف لبرهة: شعر ذهبي كسنابل القمح في الصيف، وشفاه حمراء، وجبين أملس نُقشت عليه رونة عتيقة.
قبّل شفتيها. انفتحت عيناها الرماديتان — رماديتان كسماء عاصفة، حادتان كحد سيف. "من أنت يا من لا تخشى النار؟" سألت. "سيغورد بن سيغموند. وشيء في أعماقي كان يعلم أن وراء اللهب ينتظرني كل ما بحثت عنه." جلست، وتأملته طويلاً، وللمرة الأولى منذ أن ضربها أودين بالنوم — ابتسمت.
علّمت برينهيلد سيغورد حكمة الرونات — رموز عتيقة تحوي أسرار الكون: رونات النصر، ورونات الشفاء، ورونات الحماية من السم. أقاما معاً على الجبل أياماً عدة، وبين دروس الرونات، وبين حكايا المعارك وأحلام المستقبل، نما بينهما حب عارم. أقسما أيمان الحب — وأيمان الحب في العالم الإسكندنافي أقوى من أي قانون. أهدى سيغورد برينهيلد خاتم أندفاراناوت رمزاً لحبه — خاتم ذهبي بديع أخذه من كنز التنين. لم يكن يعلم، ولم يكن بوسعه أن يعلم، أن على الخاتم لعنة قديمة: "كل من يحمله — سيكون نصيبه الكارثة والفقدان."
سافر سيغورد إلى مملكة الغيبوكونغ، حيث استُقبل بحفاوة بالغة. غريمهيلد، الملكة العجوز الماكرة، أرادت سيغورد عريساً لابنتها غودرون. أعدّت خمراً سحرية بإكسير النسيان، وما إن شرب حتى مُحي كل أثر لبرينهيلد من ذاكرته كأنها لم تكن. تزوج غودرون وأحبها بصدق، دون أن يدري أن قلبه قد أُعطي لأخرى من قبل.
والأسوأ من ذلك — أرادت غريمهيلد برينهيلد لابنها غونار. لكن غونار لم يستطع عبور حلقة النار. فبحيلة سحرية، تبادل سيغورد وغونار هيئتيهما — سيغورد، في هيئة غونار، عبر اللهب مجدداً، وأخذ برينهيلد، وسلّمها لغونار. قبلت برينهيلد "غونار" زوجاً، لكن شيئاً في قلبها انشرخ — فالبطل الذي عبر النار لم يكن يشبه البطل الذي تذكره.
انكشفت الحقيقة في يوم مرير عند النهر. كانت غودرون وبرينهيلد تستحمان، فكشفت غودرون، بدافع الفخر، السر: "سيغورد هو من عبر النار من أجلكِ، لا غونار. ها هو الخاتم الذي أعطيتِه إياه — أندفاراناوت — الذي أهداني إياه." نظرت برينهيلد إلى الخاتم، فانهار عالمها بأسره. الحب، والأيمان، والقبلة الأولى على الجبل — كل شيء كان حقيقياً، لكن كل شيء صار كذباً. لم يكن سيغورد هو من خانها — فالسحر سلبه ذاكرته — لكن الألم كان واحداً.
من ألم تحول إلى سم أعمى، زرعت برينهيلد بذرة القتل. غوتورم، أخو غونار الأصغر، طعن سيغورد في نومه — من تلك النقطة الوحيدة التي لم يحمها دم التنين، النقطة الصغيرة بين الكتفين. استيقظ سيغورد، أمسك بسيفه غرام وقذف به قاتله فشطره إلى نصفين — لكن الأوان كان قد فات. سال دمه، وبينما عيناه تنفتحان ببطء، عادت إليه ذكرياته. "برينهيلد،" همس بذهول وألم، وكأنه يسمع الاسم للمرة الأولى والأخيرة. ثم سقط ومات.
حين وُضع جثمان سيغورد على محرقة الجنازة العظيمة، ارتدت برينهيلد درع الفالكيريا، وتقلدت سيفاً، وصعدت إلى المحرقة. "في النار التقينا،" همست وألسنة اللهب تبدأ بلعق قدميها، "وفي النار نفترق — وفي النار نلتقي من جديد." احترقا معاً، وصعد دخانهما إلى السماء عموداً واحداً. وجدت لعنة أندفاراناوت خاتمتها أخيراً، لكن الثمن كان حياتين وحباً واحداً لم تُتح له الفرصة أبداً ليتحقق.
