كان فراي، إله الخصب والشمس والمطر، من أحب الآلهة إلى قلوب أهل العالم الإسكندنافي. فهو الذي يجعل الحقول تنضج، والأشجار تزهر، والقطعان تتكاثر. غير أنه رغم كل البركات التي أغدقها على العالم، ظل قلبه خاوياً من الحب.
ذات يوم، وقد أضناه القلق، جلس فراي على هليذسكيالف — عرش أودين المتعالي، الذي يستطيع الجالس عليه أن يُطلّ على أقاصي العوالم التسعة. راحت عيناه تتجولان وراء أسغارد وميدغارد، وراء ألفهايم ونيفلهايم، حتى بلغتا يوتونهايم — أرض العمالقة، أرض الجليد الأبدي. هناك، بين جبال جليدية زرقاء تلامس قممها عنان السماء، انتصبت قلعة عتيقة من حجر وثلج. انفتح باب القلعة، وخرجت منه امرأة.
رفعت ذراعيها، فانبثق من جسدها وهج عجيب — وهج بالغ الشدة أغرق السماء والبحر بنور دافئ. وللحظة خاطفة، بدا جليد يوتونهايم كأنه جنة عدن. كان اسمها غيرد، ابنة العملاق غيمير، وكانت أجمل المخلوقات في العوالم التسعة كافة — لكن جمالها كان بارداً ونائياً كأنهار أرضها الجليدية.
أصيب فراي بداء العشق. منذ اللحظة التي رآها لم يأكل، ولم يشرب، ولم ينم. هو الذي يمنح الحياة للطبيعة كلها، فقد حيويته هو. جلس في حجرته، وجهه شاحب، وعيناه فارغتان. قلق عليه أبوه نيورد، إله البحر، فأرسل سكيرنير، خادم فراي الوفي منذ صباه، ليستطلع ما يجري.
وجد سكيرنير فراي محطماً. "غيرد،" همس فراي. "رأيتها من هليذسكيالف. بدونها أنا ميت." فهم سكيرنير. "أرسلني إليها،" عرض. "سأتحدث باسمك." وافق فراي، وكان الثمن باهظاً: أعطى سكيرنير سيفه السحري — سيف خارق يقاتل من تلقاء نفسه دون أن توجهه يد بشر — وجواده القادر على اختراق جدران النار. لم يفكر فراي، المجنون عشقاً، في العواقب.
امتطى سكيرنير جواده عبر الظلام والنار، عبر بوابات يوتونهايم الحديدية التي نبحت كلابها العملاقة نباحاً أرجف الأرض. وصل إلى قلعة غيمير ووجد غيرد — وكان جمالها عن قرب أشد إذهالاً. عيناها بلون الجليد الأزرق، وشعرها أبيض كالثلج الطري، وعلى شفتيها ابتسامة متجمدة لا تكشف أي شعور.
عرض عليها تفاح إيدونا الذهبي — تفاح الخلود الذي يهب الآلهة حياة أبدية. "دعي فراي يحبكِ، وستنالين الخلود،" قال. لم تتأثر غيرد. "لدي ما يكفيني من السنين." عرض عليها خاتم دراوبنير، الخاتم الذهبي السحري الذي يُنتج من نفسه ثمانية خواتم جديدة كل تسع ليالٍ. "لست بحاجة إلى ذهب،" قالت ببرود. "أبي ثري بما يكفي."
استل سكيرنير السيف السحري وهدد. ضحكت غيرد ضحكة باردة جمّدت الهواء. "لست امرأة يمكن إرغامها بالقوة. اقتلني وعُد إلى سيدك خزياناً."
عندها لجأ سكيرنير إلى سلاحه الأخير — وربما الأشد قسوة. لا تهديد جسدي، بل لعنة. استل عصا رونية ونقش عليها رموزاً قديمة مظلمة — رونات الفراغ والوحدة. وبصوت خافت كوشوشة ريح متجمدة، رسم لغيرد صورة مستقبلها إن رفضت: سيذبل جمالها كزهرة في الثلج، وسيشيخ جسدها تدريجياً، ولن ينظر إليها أي مخلوق — لا إله، ولا عملاق، ولا بشر — بعين الحب أبداً. ستجلس في قلعة الجليد إلى الأبد، وحيدة، والبرد المحيط بها سينفذ إلى عظامها حتى تنسى أنها شعرت يوماً بأي دفء.
لم يكن التهديد لجسدها هو ما أرعب غيرد — بل رؤيا الوحدة. فتحت جليدها، تحت ابتسامتها المتجمدة، كان ينبض قلب يعرف الوحدة أكثر مما ينبغي. "توقف،" قالت، وارتعش صوتها للمرة الأولى. "أوافق على لقاء فراي. بعد تسع ليالٍ، في بستان باري."
حين سمع فراي البشرى، امتزجت فرحته بالعذاب. "ليلة واحدة طويلة،" صاح، "واثنتان أطول منها — فكيف أحتمل ثلاثاً؟ من يعلمني كيف أحتمل تسعاً؟" مرت الليالي التسع كتسعة دهور. كل ساعة امتدت كسنة.
وحين التقيا في بستان باري، بين أشجار حملت أغصانها أزهاراً فضية، حدث شيء لم يتوقعه أي منهما. فراي، الذي جاء يحمل في قلبه حباً عاصفاً، وجد أمامه امرأة هادئة ومعقدة، لا تلك الصورة الحالمة التي رآها من بعيد. وغيرد، التي جاءت مُكرهة، وجدت إلهاً عيناه تتقدان لا بشهوة مرضية بل بحب حقيقي — دفء لم تعرفه قط في أرض الجليد. كأن جبلين جليديين التقيا في شمس الربيع، وما بدأ بالتهديد تحوّل، ببطء، إلى حب صادق.
لكن الثمن كان فادحاً. السيف السحري الذي أعطاه فراي لسكيرنير لم يعد إليه قط. في كتب القدر أنه حين يحل راغناروك — يوم الحساب، نهاية العالم — سيقف فراي في مواجهة عملاق النار العظيم سورت في المعركة المصيرية بلا سيفه، وسيسقط. حبه كلفه حياته — وربما كان هذا هو الثمن الذي قُدّر له دائماً أن يدفعه، لأن الحب الحقيقي يستلزم تضحية لا رجعة فيها.
