مقدمة: حين يصبح الحب سجناً
الحب في أصله نعمة من أعظم نعم الله على الإنسان — يبثّ في الحياة معنى ويملأ القلب سعادة ويُعطي الروح سبباً للاستمرار. لكن حين يتجاوز الحب حدّه الطبيعي ويتحوّل إلى اعتمادية عاطفية كاملة، يفقد جماله ويصبح قيداً يُكبّل صاحبه ويسلبه حريته وهويته. الاعتمادية العاطفية ليست كثرة الحب بل هي فقدان الذات في الآخر.
الاعتمادية العاطفية (Codependency) مصطلح ظهر في علم النفس الحديث لوصف نمط من العلاقات يفقد فيه الشخص استقلاليته النفسية ويربط قيمته الذاتية بشريكه بالكامل. المعتمد عاطفياً يشعر أنّه بلا قيمة إن لم يكن في علاقة، ويتحمّل الإساءة خوفاً من الوحدة، ويُهمل نفسه واحتياجاته من أجل إرضاء الآخر. وهذا يختلف جذرياً عن الحب الصحي الذي يقوم على شخصين مستقلين يختاران أن يتشاركا الحياة لا أن يذوبا في بعضهما.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾
(سورة البقرة: 165)
وابن القيم رحمه الله تناول هذا المفهوم بعمق حين تحدّث في «الجواب الكافي» عن العشق المستعبِد الذي يُذلّ صاحبه ويسلبه عقله وكرامته. وقال إنّ من أعظم البلايا أن يجعل الإنسان قلبه رهينة لمخلوق فيفقد حريته التي منحها الله إياه. فالإسلام يدعو إلى حبّ متوازن لا يُلغي ذات الإنسان ولا يُنافس حبّ الله في القلب.
علامات الاعتمادية العاطفية
أولى علامات الاعتمادية هي الخوف الشديد من الوحدة والهجر. المعتمد عاطفياً يشعر بقلق وجودي حين يكون وحيداً، كأنّ الحياة تفقد معناها بدون شريك. هذا الخوف يدفعه إلى التمسّك بعلاقات مؤذية بدلاً من مواجهة الوحدة، ويجعله يقبل بأقلّ ممّا يستحق خوفاً من ألّا يجد أحداً آخر.
العلامة الثانية هي إهمال الذات والتضحية المفرطة. المعتمد عاطفياً يُقدّم احتياجات شريكه على كل شيء: يتخلّى عن أصدقائه وهواياته وأحلامه ليتفرّغ للعلاقة. ويظنّ أنّ هذه التضحية دليل حبّ عظيم، بينما هي في الحقيقة نتيجة خوف عميق من الرفض. وابن حزم نبّه في «طوق الحمامة» أنّ من أحبّ حتى أنسى نفسه فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه الحبيب.
العلامة الثالثة هي ربط تقدير الذات بموقف الشريك. حين يمدحك شريكك تشعر بقيمتك وحين يغضب منك تشعر بانعدام قيمتك. حالتك المزاجية مرآة لحالة شريكك: إن كان سعيداً فأنت سعيد وإن كان حزيناً أو غاضباً فأنت منهار. كأنّك فقدت بوصلتك الداخلية وأصبحت تعيش بمشاعر الآخر.
والعلامة الرابعة هي صعوبة وضع حدود واضحة. المعتمد عاطفياً يخاف من قول «لا» ويعتقد أنّ وضع حدود سيُغضب الشريك ويدفعه للمغادرة. فيقبل ما لا يرتضيه ويتحمّل ما لا يُطيقه ويتنازل عن قيمه أحياناً خوفاً من الخسارة. وهذا بالضبط ما حذّر منه الإمام الغزالي حين قال إنّ من أضاع كرامته في طلب الحب فقد خسر الحب والكرامة معاً.
جذور الاعتمادية العاطفية
الاعتمادية العاطفية لا تنشأ من فراغ بل لها جذور عميقة في تجارب الطفولة. فالطفل الذي نشأ في بيت لم يحصل فيه على حبّ غير مشروط يتعلّم أنّ الحب مشروط بالأداء والإرضاء. فيكبر وهو يعتقد أنّه يجب أن يكون مثالياً ليُحَبّ، وأنّ قبوله من الآخرين هو الذي يُحدّد قيمته.
كذلك الطفل الذي تحمّل مسؤولية عاطفية أكبر من سنّه — كأن يكون وسيطاً بين والدَيه المتشاجرين أو أن يعتني بأحد الوالدين نفسياً — يتعلّم أنّ دوره في الحياة هو رعاية الآخرين على حساب نفسه. هذا النمط ينتقل إلى علاقاته العاطفية فيصبح دائماً في موقع المُنقذ والمُعطي والمُضحّي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
❝كلّ مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه❞
رواه البخاري ومسلم
هذا الحديث يُؤكّد أنّ البيئة تُشكّل الإنسان بعمق. فكما أنّ الطفل يتأثّر بعقيدة أهله فإنّه يتأثّر أيضاً بأنماطهم العاطفية. لكنّ الوعي بهذه الجذور هو الخطوة الأولى نحو التحرر. فأنت لست مُجبراً على تكرار أنماط طفولتك طوال حياتك، بل يمكنك — بالوعي والعمل والاستعانة بالله — أن تبني أنماطاً جديدة أكثر صحة وتوازناً.
طريق التحرر من الاعتمادية
الخطوة الأولى في طريق التحرر هي الاعتراف بالمشكلة دون خجل. كثير من المعتمدين عاطفياً يرفضون الاعتراف بحالتهم لأنهم يظنّون أنّ ما يفعلونه هو الحب الحقيقي. لكنّ الحب الحقيقي لا يُلغي الذات ولا يُسبّب المعاناة المستمرة ولا يجعلك تفقد هويتك.
الخطوة الثانية هي إعادة بناء علاقتك بنفسك. اسأل نفسك: من أنا خارج هذه العلاقة؟ ما هي اهتماماتي وأحلامي وقيمي؟ ابدأ بتخصيص وقت لنفسك — مارس هواية قديمة أو اكتشف هواية جديدة، التقِ بأصدقائك، اقرأ كتاباً يُثري عقلك. كل نشاط تفعله مستقلاً عن شريكك هو خطوة نحو استعادة ذاتك.
الخطوة الثالثة — وهي الأهمّ في المنظور الإسلامي — هي تحويل التعلّق الأعظم من المخلوق إلى الخالق. ابن القيم يقول في «الفوائد» إنّ القلب الذي تعلّق بالمخلوق ذلّ وخاب، والقلب الذي تعلّق بالخالق عزّ واطمأنّ. فحين يكون الله هو مصدر أمانك الأول تُحبّ الناس من موقع قوة لا من موقع احتياج مُلحّ. وحين تفقد تجد عند الله ما يُعوّضك ويُسندك.
والخطوة الرابعة هي تعلّم وضع الحدود الصحية وقول «لا» حين يجب قولها. الحدود ليست جداراً بينك وبين شريكك بل هي سياج يحمي حديقتك. والحب الحقيقي يحترم الحدود ولا يراها عائقاً بل دليلاً على النضج والاحترام المتبادل.
خاتمة: الحب الحقيقي يُحرّر ولا يُقيّد
تذكّر دائماً أنّ الحب في أجمل صوره هو اختيار حرّ بين شخصين مستقلين، كلاهما يملك حياة كاملة ويختار أن يُشارك الآخر فيها. لا أحد منهما يحتاج الآخر ليبقى حياً لكنّ كليهما يُريد الآخر ليصبح أسعد. هذا هو الفرق بين الحاجة والرغبة — بين الاعتمادية والحب.
والنموذج النبوي يُقدّم لنا أجمل صورة لهذا التوازن. فالنبي ﷺ أحبّ خديجة حباً عظيماً وبكاها بعد وفاتها سنوات طويلة، لكنّه لم يتوقف عن رسالته ولم ينهر ولم يفقد ذاته في الحزن. أحبّ بعمق لكنه بقي متّصلاً بالله أولاً وبرسالته ثانياً. هذا هو الحب الناضج: أن تُحبّ بكل قلبك دون أن تفقد روحك. فتحرّر من قيود الاعتمادية وأحبب حبّاً يليق بكرامتك التي منحك الله إياها.
