🔗

أنماط التعلق في العلاقات

كيف يُشكّل ماضيك طريقة حبّك

🔗

مقدمة: لماذا نحبّ بطرق مختلفة؟

هل تساءلت يوماً لماذا يشعر بعض الناس بالأمان والطمأنينة في علاقاتهم بينما يعيش آخرون في قلق دائم من الهجر؟ ولماذا يهرب بعض الناس من القرب العاطفي بينما يتعلّق آخرون بشريكهم تعلّقاً شديداً؟ الإجابة تكمن في نمط التعلق الذي تشكّل في طفولتك المبكرة وأصبح البوصلة الخفية التي تُوجّه كل علاقاتك العاطفية.

نظرية التعلق وضعها عالم النفس البريطاني جون بولبي في الخمسينيات ثم طوّرتها ماري أينسوورث من خلال تجاربها الشهيرة. وتقول النظرية إنّ العلاقة بين الطفل ومقدّم الرعاية الأساسي تُشكّل نموذجاً داخلياً يستخدمه الإنسان لاحقاً في كل علاقاته العاطفية. فالطفل الذي وجد أمّاً متجاوبة وحانية يتعلّم أنّ العالم آمن وأنّ الناس يُمكن الوثوق بهم. والطفل الذي وجد أمّاً متذبذبة أو غائبة يتعلّم أنّ العالم غير موثوق وأنّ الحب قد يُسحب في أيّ لحظة.

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

(سورة النحل: 78)

والإسلام أدرك أهمية هذه العلاقة المبكرة قبل قرون من علم النفس الحديث. فقد حثّ على الرضاعة الطبيعية حولين كاملين وأمر بحُسن معاملة الأطفال وإظهار الرحمة لهم. والنبي ﷺ كان يُقبّل أحفاده ويُداعبهم ويحملهم في صلاته، وحين قال الأقرع بن حابس: «إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً»، قال النبي ﷺ: «أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة» (رواه البخاري ومسلم). فالنبي ﷺ أسّس لمبدأ أنّ الحنان في الطفولة ضرورة وليس رفاهية.

النمط الأول: التعلق الآمن — أساس الحب الصحي

الشخص ذو التعلق الآمن نشأ في بيئة كان فيها مقدّم الرعاية متجاوباً وموثوقاً ومتسقاً في استجاباته. حين كان يبكي كانت أمّه تأتي، وحين كان يحتاج كان يجد من يُلبّي احتياجاته. هذا علّمه أنّ العالم آمن وأنّ الناس يُمكن الاعتماد عليهم.

في العلاقات العاطفية يتميّز صاحب التعلق الآمن بعدة صفات: يشعر بالارتياح مع القرب العاطفي دون خوف من الابتلاع، ويثق بشريكه دون غيرة مرضية، ويُعبّر عن احتياجاته بوضوح ويحترم احتياجات الآخر. يُمكنه أن يكون مستقلاً وقريباً في الوقت نفسه، فلا يفقد ذاته في العلاقة ولا ينسحب منها. وحين يحدث خلاف يتعامل معه بنضج ويبحث عن حلول بدلاً من الهروب أو التصعيد.

وابن حزم الأندلسي وصف في «طوق الحمامة» صورة الحب الآمن حين تحدّث عن المحبّ الذي يطمئنّ إلى محبوبه ولا يحتاج إلى اختباره كل لحظة. والنبي ﷺ كان نموذجاً للتعلق الآمن في علاقته بخديجة رضي الله عنها — كان يثق بها ويحبّها وتثق به وتحبّه، وكانا سنداً حقيقياً لبعضهما في السرّاء والضرّاء. هذا هو التعلق الآمن في أبهى صوره: حبّ يبني ولا يهدم، يُطمئن ولا يُقلق.

النمط الثاني: التعلق القلق — الخوف من الفقد

الشخص ذو التعلق القلق نشأ عادة في بيئة كان فيها مقدّم الرعاية متذبذباً وغير متّسق في استجاباته. أحياناً كان حنوناً ومتجاوباً وأحياناً كان غائباً أو مشغولاً. هذا التذبذب علّم الطفل أنّ الحب موجود لكنه غير مضمون، فأصبح يبذل جهداً كبيراً لضمان بقاء الحب.

في العلاقات العاطفية يتميّز صاحب التعلق القلق بالحاجة المستمرة إلى التطمين والتأكيد. يُرسل عشر رسائل ويقلق إن لم يحصل على ردّ فوري، ويُفسّر السكوت على أنه رفض، ويحتاج إلى سماع «أحبّك» مراراً. خوفه من الهجر يدفعه أحياناً إلى تصرفات تُبعد الشريك بدلاً من تقريبه — كالغيرة المفرطة والتعلّق الشديد والبكاء المتكرر ومحاولة السيطرة على الآخر.

والإمام الغزالي تحدّث عن هذا النوع من الحبّ في «إحياء علوم الدين» حين وصف من يتعلّق بالمخلوق تعلّقاً يُنسيه الخالق. والحلّ ليس في إلغاء الحاجة إلى الحب بل في تعلّم أنّ الأمان الحقيقي يأتي من الداخل ومن الله أولاً. فمن وجد الأمان مع الله لم يحتج إلى اختبار الناس كل لحظة. والعمل على التعلق القلق يبدأ بتهدئة النفس عند القلق وتعلّم أنّ بُعد الشريك لحظة لا يعني رفضاً أبدياً.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

(سورة الرعد: 28)

النمط الثالث: التعلق التجنّبي — الخوف من القرب

الشخص ذو التعلق التجنّبي نشأ في بيئة كان فيها مقدّم الرعاية بعيداً عاطفياً أو رافضاً لاحتياجات الطفل العاطفية. تعلّم مبكراً أنّ إظهار الاحتياج يُقابل بالتجاهل أو الرفض، فقرّر لاشعورياً أنّه لا يحتاج أحداً وأنّ الاعتماد على الذات هو الطريق الوحيد الآمن.

في العلاقات العاطفية يتميّز صاحب التعلق التجنّبي بالمسافة العاطفية. يشعر بعدم الارتياح حين يقترب الشريك كثيراً، ويحتاج إلى مساحة شخصية واسعة، ويجد صعوبة في التعبير عن مشاعره أو الاعتراف باحتياجاته العاطفية. قد يبدو بارداً أو غير مهتمّ لكنه في حقيقته يشعر بالحب ولا يعرف كيف يُعبّر عنه. وحين يقترب الشريك كثيراً يشعر بالضيق وكأنّه يفقد استقلاليته فينسحب أو يُثير خلافاً ليستعيد مسافته.

وابن القيم تحدّث عن هذا النوع من القلوب في «مدارج السالكين» حين ذكر القلب الذي أغلق أبوابه خوفاً من الألم فحرم نفسه من الحب والسعادة. والعلاج يبدأ بالاعتراف بأنّ الحاجة إلى الآخر ليست ضعفاً بل فطرة إلهية. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21)، فالسكينة مع الآخر من تصميم الله للإنسان وليست ضعفاً يُخجل منه.

النمط الرابع: التعلق المضطرب — بين الخوف والرغبة

التعلق المضطرب (ويُسمّى أيضاً الخائف-التجنّبي) هو أصعب أنماط التعلق، وينشأ عادة في بيئات كان فيها مقدّم الرعاية مصدراً للخوف والأمان في الوقت نفسه. فالشخص الذي يجب أن يلجأ إليه الطفل للحماية هو نفسه من يُخيفه. هذا يُنتج صراعاً داخلياً عميقاً بين الرغبة في القرب والخوف منه.

في العلاقات يتأرجح صاحب هذا النمط بين الاقتراب والابتعاد بشكل محيّر. يُريد الحب بشدة لكنّه يخاف منه بنفس الشدة. يبدأ العلاقة بحماس شديد ثم ينسحب فجأة حين يشعر بالقرب. يُحبّ ويخاف من الحب في آنٍ واحد، وهذا التذبذب يُنهك الشريك ويُنهكه هو أيضاً. وقد يدخل في دورة من العلاقات القصيرة المكثّفة التي تنتهي فجأة دون سبب واضح.

هذا النمط يحتاج عادة إلى مساعدة متخصصة لأنّ جذوره عميقة في تجارب الطفولة. وابن القيم ذكر في «إغاثة اللهفان» أنّ أصعب أمراض القلب هي التي يتناقض فيها العقل مع العاطفة. والإسلام يدعو إلى التداوي وطلب المساعدة، فالنبي ﷺ قال: «تداووا عباد الله، فإنّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً» (رواه أحمد وأبو داود). فلا تخجل من طلب المساعدة المتخصصة إن شعرت أنّ نمط تعلّقك يُعيق حياتك العاطفية.

كيف تُفعّل الوعي بنمط تعلّقك في حياتك

الخطوة الأولى نحو التغيير هي الوعي بنمطك دون حكم على نفسك. نمط تعلّقك لم يكن اختياراً واعياً بل هو نتيجة ظروف لم تتحكّم فيها. ولكنك اليوم شخص بالغ يملك القدرة على فهم نفسه وتغيير أنماطه. ابدأ بملاحظة ردود أفعالك في العلاقات: متى تشعر بالقلق؟ متى تنسحب؟ ما الذي يُثير خوفك؟ هذه الملاحظات هي بداية الطريق.

الخطوة الثانية هي التواصل الصادق مع شريكك حول نمط تعلّقك. حين يفهم كلا الشريكين نمط تعلّق الآخر تصبح التصرفات المحيّرة مفهومة. فالقلق ليس إزعاجاً بل حاجة للتطمين، والانسحاب ليس رفضاً بل حاجة للمساحة. وهذا الفهم يُحوّل الصراع إلى تعاون.

الخطوة الثالثة هي بناء علاقة آمنة مع الله أولاً. من أعظم ما يُشفي أنماط التعلق غير الآمنة أن يجد الإنسان أماناً ثابتاً لا يتذبذب ولا يتغيّر. والله سبحانه هو الوحيد الذي لا يخذل ولا يُغيّر حبّه ولا يبتعد عمّن أقبل عليه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 186). هذا القرب الإلهي الدائم هو أقوى علاج للقلب الخائف من الهجر.

خاتمة: من الفهم إلى التغيير

فهم أنماط التعلق ليس لتصنيف نفسك أو وضع لافتة على جبينك، بل هو نافذة تُطلّ منها على عالمك الداخلي لتفهم لماذا تُحبّ بالطريقة التي تُحبّ بها. والخبر السارّ هو أنّ أنماط التعلق ليست أحكاماً أبدية بل يمكن تغييرها بالوعي والعمل والصبر. كثير من الناس استطاعوا الانتقال من أنماط غير آمنة إلى تعلّق آمن من خلال علاقات صحية ودعم متخصص وتقرّب من الله.

وابن القيم يقول في «الفوائد» إنّ القلب يتشكّل بما يغذّيه، فمن غذّى قلبه بالأمان والثقة والإيمان نما على ذلك. وكما أنّ الجسم يتعافى من أمراضه بالغذاء السليم والدواء المناسب، فالقلب أيضاً يتعافى من جراحه القديمة بالحب الآمن والفهم العميق والتوكل على الله. فابدأ رحلتك اليوم نحو فهم نفسك وبناء علاقات أكثر صحة وسعادة بإذن الله.

أسئلة شائعة حول أنماط التعلق

س:هل يمكن أن يتغيّر نمط تعلّقي مع مرور الوقت؟

ج:نعم، أنماط التعلق ليست ثابتة مدى الحياة. يمكن أن يتغيّر نمط تعلّقك من خلال الوعي الذاتي والعمل على نفسك والعلاقات الآمنة والدعم المتخصص. كثير من الناس انتقلوا من أنماط غير آمنة إلى نمط تعلّق آمن من خلال الجهد المستمر والنمو الشخصي. والإسلام يحثّ على تزكية النفس وتطويرها دائماً.

س:كيف أعرف نمط تعلّقي الشخصي؟

ج:لاحظ سلوكك في العلاقات: هل تشعر بالقلق المستمر من الهجر؟ هل تتجنّب القرب العاطفي؟ هل تتأرجح بين الرغبة في القرب والابتعاد؟ أم تشعر بالأمان والارتياح مع شريكك؟ إجاباتك على هذه الأسئلة تُشير إلى نمط تعلّقك. ويمكنك أيضاً استشارة مختص نفسي لتقييم أدقّ.

س:هل نمط تعلّقي هو السبب في فشل علاقاتي؟

ج:نمط التعلق يؤثّر بشكل كبير على ديناميكيات العلاقة لكنه ليس السبب الوحيد لفشلها. العلاقة تحتاج أيضاً إلى توافق قيمي واحترام متبادل وتواصل سليم. لكن فهم نمط تعلّقك يُساعدك على تجنّب الأنماط السلبية المتكررة وبناء علاقات أكثر صحة.

س:كيف أتعامل مع شريك ذي نمط تعلّق تجنّبي؟

ج:التعامل مع شريك تجنّبي يتطلّب صبراً وحكمة. أعطه المساحة التي يحتاجها دون أن تشعره بالذنب، وعبّر عن احتياجاتك بهدوء دون إلحاح، واحتفِ بكل خطوة يقترب فيها منك عاطفياً. ولا تأخذ تجنّبه على محمل شخصي فهو نتيجة تجارب سابقة وليس رفضاً لك.

س:هل نظرية التعلق تتعارض مع التوكل على الله؟

ج:لا تتعارض أبداً. نظرية التعلق تصف آليات نفسية خلقها الله في الإنسان، وفهمها يُساعدنا على تحسين علاقاتنا. والتوكل على الله هو البُعد الروحي الذي يُكمل البُعد النفسي. فالمسلم يفهم نفسه بالعلم ويتوكل على ربه بالإيمان، والأمران يسيران جنباً إلى جنب.