الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في هذا المقال نستكشف كيف فهمت الديانة الزرادشتية — أقدم ديانات فارس — الحب والزواج والأسرة، وكيف جعلت من الرابطة بين الرجل والمرأة ركيزة أساسية في النظام الكوني.
أهورا مزدا والحب: خلق العالم بالمحبة
في قلب الديانة الزرادشتية يقف أهورا مزدا — الحكيم المطلق وإله النور والخير — الذي خلق العالم كفعل محبة. وفقاً للنصوص الزرادشتية، لم يخلق أهورا مزدا الكون من عدم فحسب، بل خلقه من فيض حكمته ومحبته. والحب في هذا السياق ليس مجرد عاطفة بشرية، بل هو قوة كونية أصيلة وُجدت قبل وجود البشر أنفسهم.
في الغاثات — أقدم نصوص الأفستا والتي تُنسب إلى زرادشت نفسه — نجد إشارات إلى الحب والرحمة كصفات إلهية. سبنتا أرميتي (الإخلاص المقدس) هي واحدة من الأمشاسبنتا (الخالدين المقدسين) السبعة، وتمثّل الحب والتفاني والأرض الخصبة. هذا الربط بين الحب والأرض والخصوبة يعكس فهماً عميقاً لدور الحب في استمرار الحياة وإعمار العالم. فالحب ليس ترفاً في الزرادشتية، بل هو ضرورة كونية تضمن انتصار النور على الظلام.
الزواج فريضة مقدسة: «تزوّجوا وأعمروا الأرض»
من أبرز ملامح الزرادشتية موقفها الواضح من الزواج: إنه واجب ديني مقدس وليس مجرد خيار شخصي. في نص الويديوداد (أحد أقسام الأفستا) يقول أهورا مزدا صراحة إنه يُفضّل المتزوج على غير المتزوج، والذي لديه أبناء على الذي ليس لديه. الزواج في الزرادشتية هو مساهمة مباشرة في معركة الخير ضد الشر، لأنّ كل طفل يولد هو جندي جديد في جيش النور.
كان حفل الزواج الزرادشتي يُقام أمام النار المقدسة — رمز النور والحقيقة والطهارة — بحضور كاهن زرادشتي يُسمى الموبد. يقرأ الموبد صلوات من الأفستا ويطلب بركة أهورا مزدا على الزوجين. ثم يتبادل العروسان وعود الوفاء والإخلاص، ويُعلنان التزامهما بالعيش معاً في الحقيقة والخير. كان الحفل يتضمن أيضاً تقديم هدايا رمزية وإشعال شموع وتوزيع حلويات على الحضور.
«من يتزوج ويُنجب فهو أفضل عند أهورا مزدا ممن يعيش بلا زوج ولا ولد»
— من الأفستا (الويديوداد)
المرأة في الزرادشتية: شريكة لا تابعة
في سياق عالم قديم كانت فيه المرأة غالباً مهمّشة، قدّمت الزرادشتية نموذجاً متقدماً نسبياً لمكانة المرأة. في الغاثات يُخاطب زرادشت الرجال والنساء معاً دون تمييز في المسؤولية الأخلاقية والدينية. وفي قصة حياة زرادشت نفسه، تلعب زوجته هووفي دوراً محورياً كأول مؤمنة بدعوته ومساندة له في نشر رسالته.
كان للمرأة الزرادشتية حقوق قانونية واضحة في مجال الزواج والأسرة. فقد كان لها حق في الميراث وحق في الملكية المستقلة، وكانت تشارك في الطقوس الدينية والاحتفالات. في بعض النصوص البهلوية (الفارسية الوسطى) نجد نصائح للأزواج بإكرام زوجاتهم ومعاملتهن بالحسنى والمودة. هذا الاحترام للمرأة كشريكة في الحياة يتوازى مع ما جاء في الإسلام من تكريم المرأة وجعل العلاقة بين الزوجين قائمة على المودة والرحمة.
الأسرة في الزرادشتية: نواة المجتمع الصالح
اعتبرت الزرادشتية الأسرة اللبنة الأساسية للمجتمع الصالح. في التراتبية الاجتماعية الزرادشتية، الأسرة (نمانا) هي الوحدة الأولى التي تليها العشيرة (ويس) ثم القبيلة (زنتو) ثم الوطن (دخيو). وصلاح المجتمع يبدأ من صلاح الأسرة، وصلاح الأسرة يبدأ من الحب والمودة بين الزوجين.
كانت تربية الأطفال من أعظم الواجبات الدينية في الزرادشتية. فالوالدان مسؤولان عن تعليم أبنائهم الأخلاق الحميدة والقيم الثلاث الأساسية: الفكر الحسن والقول الحسن والعمل الحسن (هومتا، هوختا، هوورشتا). هذه القيم الأخلاقية العالية في تربية الأبناء تعكس إيماناً عميقاً بأنّ الحب ليس مجرد شعور عابر بل مسؤولية مستمرة تثمر أجيالاً صالحة.
النار رمز الحب: ضوء لا ينطفئ
النار المقدسة هي أبرز رموز الزرادشتية، وهي ترمز إلى النور والحقيقة والطهارة — وبامتداد طبيعي، إلى الحب. ففي معابد النار الزرادشتية (آتشكده) كانت النار تُشعل ولا تنطفئ أبداً، يحرسها الكهنة ليلاً ونهاراً. هذه النار الدائمة أصبحت رمزاً للحب الذي لا ينطفئ والوفاء الذي لا ينقطع.
في حفلات الزفاف الزرادشتية، كان حضور النار المقدسة ضرورياً كشاهد إلهي على عقد الزواج. الزوجان يجلسان أمام النار ويتبادلان الوعود في ضوئها، كأنهما يقطعان عهداً ليس أمام الناس فحسب بل أمام النور الإلهي نفسه. هذا الربط بين النار والحب والطهارة ترك أثراً عميقاً في الثقافة الفارسية، واستمر في الاحتفالات الإيرانية التقليدية حتى يومنا هذا.
من الزرادشتية إلى الحب الصوفي
حين فتح المسلمون فارس في القرن السابع الميلادي، أسلم معظم الفرس وأصبحوا جزءاً أصيلاً من الحضارة الإسلامية. لكنهم لم يتخلّوا عن حكمتهم القديمة بل صبّوها في قوالب إسلامية جديدة. ومن أبرز ثمار هذا التلاقح الحضاري نشأة التصوف الإسلامي الفارسي الذي جعل الحب — حب الله — محور التجربة الروحية.
فكرة الحب كقوة كونية مقدسة في الزرادشتية وجدت صداها في التصوف الإسلامي الذي رأى في الحب الإلهي الحقيقة الكبرى التي خُلق من أجلها الكون. شعراء مثل جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي كتبوا عن الحب بلغة تجمع بين العمق الروحي الإسلامي والحساسية الفارسية العريقة. هذا التلاقي بين تراثين عظيمين أنتج واحداً من أغنى تقاليد الحب في تاريخ البشرية — تقليد يحتفي بالحب كجسر يصل بين الإنسان والخالق.
خاتمة: تكشف دراسة الحب في الزرادشتية عن حقيقة جميلة: أنّ البشر عبر العصور والأديان اتفقوا على قدسية الحب والزواج والأسرة. فما نادت به الزرادشتية من احترام للمرأة وتقديس للأسرة وجعل الحب قوة خير في العالم، نجد صداه في القرآن الكريم الذي جعل بين الزوجين مودة ورحمة، وفي التصوف الإسلامي الذي رأى في الحب الطريق إلى الله.
