الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي الهند القديمة، جسّد الخيال الإنساني قوة الحب في شخصية كاماديفا — إله الحب الذي يمتلك القدرة على إيقاظ العشق في أي قلب بسهامه المصنوعة من الأزهار.
كاماديفا: صاحب القوس والسهم الزهري
كاماديفا — أو «كاما» اختصاراً — هو إله الحب والرغبة والجاذبية في الأساطير الهندية القديمة. يُصوَّر كشاب في ريعان شبابه، بهيّ الطلعة، يرتدي ثياباً مزيّنة بالأزهار ويحمل أسلحته الفريدة من نوعها: قوس مصنوع من قصب السكر يرمز إلى حلاوة الحب، ووتره سلسلة من نحل العسل المتشابك يرمز إلى لسعة الشوق، وسهامه خمسة أزهار مختلفة تمثّل أنواع مشاعر الحب المتعددة.
يركب كاماديفا ببغاءً ملوّناً — الطائر الذي يرمز في الثقافة الهندية إلى الكلام العذب والرسائل المنقولة بين العشّاق. ويرافقه نسيم الربيع (فاسانتا) كصديق ومساعد، حيث يبثّ الربيع العطور والدفء في الأجواء ممهّداً الطريق لسهام كاماديفا. كما ترافقه زوجته المخلصة راتي إلهة الشغف، وصديقته بريتي إلهة المودة.
السهام الخمسة: لغة الحب الزهرية
يحمل كاماديفا خمسة سهام، كل منها مصنوع من زهرة مختلفة ويثير شعوراً مختلفاً في القلب المُصاب. السهم الأول مصنوع من زهرة اللوتس الأبيض ويثير الانجذاب والسحر. والثاني من زهرة الأشوكا ويثير الاضطراب والقلق العاطفي. والثالث من زهرة المانجو ويثير الشوق والحنين. والرابع من زهرة الياسمين ويثير الذوبان والاستسلام. والخامس من زهرة اللوتس الأزرق ويثير الجنون العاشق الكامل.
هذا التصنيف الدقيق يكشف عن فهم عميق لمراحل الحب عند الهنود القدماء. فالحب ليس شعوراً واحداً بل هو رحلة تبدأ بالانجذاب البسيط وتتطور عبر مراحل متصاعدة حتى تبلغ ذروتها. كل مرحلة لها طعمها وألمها وجمالها الخاص. هذه الحكمة النفسية التي غلّفها الهنود بثوب أسطوري جميل لا تزال صالحة لفهم تجربة الحب الإنسانية حتى اليوم.
«لا يحتاج الحب إلى جسد ليكون حاضراً... إنه أقوى من النار وأبقى من الرماد»
— من أسطورة كاماديفا في الأدب الهندي
أسطورة الاحتراق: حين تحدّى الحبُّ النارَ
من أشهر الأساطير المرتبطة بكاماديفا أسطورة احتراقه بعين شيفا الثالثة. تروي الأسطورة أنّ شيطاناً قوياً كان يهدد العالم، ولم يكن بإمكان أحد هزيمته إلا ابن الإله شيفا. لكنّ شيفا كان غارقاً في تأمل عميق بعد وفاة زوجته الأولى، منقطعاً عن العالم. فأرسلت الآلهة كاماديفا لإيقاظ شيفا من تأمله وإشعال الحب في قلبه تجاه بارفاتي.
حين أطلق كاماديفا سهمه نحو شيفا، فتح شيفا عينه الثالثة — عين الحقيقة والتدمير — وأطلق منها شعاع نار أحرق كاماديفا في لحظة واحدة. لكنّ المدهش أنّ السهم كان قد أصاب شيفا قبل أن يحترق كاماديفا، فنبت الحب في قلب شيفا رغماً عنه. أما كاماديفا فصار بلا جسد مادي ولقّبه الناس بـ«أنانغا» أي عديم الجسد — لكنه بقي حاضراً وفاعلاً في كل قلب يعرف الحب.
كاما والربيع: موسم الحب والألوان
ارتبط كاماديفا ارتباطاً عضوياً بفصل الربيع في الثقافة الهندية. كان الهنود يعتقدون أنّ قوة كاما تبلغ أوجها في الربيع حين تتفتح الأزهار وتغني الطيور وتنتشر العطور في الهواء. ومن هنا جاء الاحتفال الشهير بعيد هولي — مهرجان الألوان — الذي يُقام في بداية الربيع ويرتبط بأسطورة كاماديفا.
في ليلة هولي (هوليكا داهان)، تُشعل نار كبيرة ترمز إلى احتراق كاماديفا بنار شيفا وانتصار الحب رغم النار. وفي اليوم التالي، يخرج الناس إلى الشوارع يرشّون بعضهم بمساحيق ملوّنة ومياه زاهية الألوان في أجواء من الفرح والمرح، مؤكدين أنّ الحب والجمال والفرح لا يمكن أن تموت. عيد هولي اليوم يُحتفل به في أنحاء العالم كله رمزاً للبهجة والحب.
كاما سوترا: فلسفة الحب الشاملة
يرتبط اسم «كاما» بواحد من أشهر الكتب في التراث الهندي: كاما سوترا الذي ألّفه الحكيم فاتسيايانا في القرن الثالث الميلادي تقريباً. وخلافاً للصورة الشائعة عنه في الغرب، فإنّ كاما سوترا ليس كتاباً عن الجنس فحسب، بل هو موسوعة شاملة عن فن الحياة الزوجية والعلاقات الإنسانية والتعامل بين الرجل والمرأة.
يتناول الكتاب موضوعات واسعة تشمل آداب المعاشرة والحوار بين الزوجين، وفنون الجاذبية والتودد، ونصائح لبناء علاقة زوجية ناجحة ومستقرة. كما يتضمن فصولاً عن الموسيقى والشعر والطبخ وتزيين البيت والعطور — كل ما يجعل الحياة المشتركة أجمل وأغنى. هذه النظرة الشاملة تعكس فهم الهنود القدماء بأنّ الحب ليس مجرد مشاعر بل هو فنّ يحتاج إلى تعلّم وممارسة وإتقان.
كاماديفا وآلهة الحب حول العالم
من المثير للدهشة أنّ كثيراً من الحضارات القديمة خصّصت إلهاً أو إلهة للحب. فكاماديفا الهندي بقوسه وسهامه يشبه إيروس اليوناني وكيوبيد الروماني، وحتحور المصرية كانت إلهة الحب والجمال مثل أفروديت اليونانية وعشتار البابلية. هذا التشابه لا يعني بالضرورة تأثراً مباشراً، بل يعكس حاجة إنسانية مشتركة لتقديس الحب وفهمه كقوة كونية تفوق الإنسان.
خاتمة: تبقى أسطورة كاماديفا من أجمل ما أبدعه الخيال الإنساني في تجسيد قوة الحب. فكرة أنّ الحب لا يحتاج إلى جسد ليكون حاضراً — أنّ «أنانغا» عديم الجسد أقوى من كاماديفا ذي الجسد — هي حكمة عميقة عن طبيعة المشاعر الإنسانية. وفي التراث الإسلامي، نجد تأكيداً مماثلاً على أنّ الحب قوة روحية لا مادية. فالمودة والرحمة التي وصفها القرآن الكريم بين الأزواج هي آية من آيات الخالق، وفي التصوف الإسلامي نجد أنّ الحب هو الطاقة التي تحرّك الكون كله — تماماً كسهام كاماديفا غير المرئية التي تصيب كل قلب.
