🤝

الوفاء والإخلاص

حفظ العهد والميثاق الغليظ — تاج المحبّ وشرف المحبوب

🤝

مقدمة: الوفاء تاج المحبّ

من أنبل الصفات التي يتحلّى بها الإنسان في علاقته بمن يحب صفة الوفاء، تلك الصفة التي ترفع الحب من مجرّد عاطفة عابرة إلى عهدٍ مقدّس لا ينقضه صاحبه مهما تقلّبت به الأحوال وتبدّلت عليه الظروف. فالوفاء هو أن يبقى القلب ثابتاً على محبته في الرخاء والشدة، وأن تظلّ اليد ممدودة بالعطاء حين تجفّ أيدٍ كثيرة، وأن يبقى اللسان عامراً بالذكر الطيب حين تسكت ألسنة العالم كلّه.

والإخلاص توأم الوفاء وشقيقه، إذ هو صفاء القلب من كل غشّ وشائبة تجاه الشريك. فالوفيّ يحفظ العهد بجوارحه، والمخلص يحفظه بقلبه ونيّته. وقد جمع الإسلام بين هذين الخلقين في منظومة أخلاقية متكاملة تجعل من العلاقة الزوجية ميثاقاً غليظاً لا يُنقض بنزوة ولا يُضعفه ملل ولا يهدمه غضب عابر. فالزواج في الإسلام ليس عقداً مدنياً فحسب، بل هو أمانة إلهية يُسأل عنها صاحبها يوم القيامة.

وابن حزم الأندلسي رحمه الله أشار في «طوق الحمامة» إلى أنّ الوفاء هو المحكّ الحقيقي الذي يكشف صدق المحبّ من كذبه. فكثيرون يدّعون الحب في أوقات الصفاء، لكنّ الوفيّ الحقيقي هو من يثبت على حبّه حين تعصف الرياح وتشتدّ الأزمات. والمتأمّل في التاريخ الإسلامي يجد أنّ أعظم قصص الحب ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالوفاء والإخلاص، كقصة النبي ﷺ مع خديجة التي تُعدّ أنبل نماذج الوفاء في تاريخ البشرية.

الوفاء في القرآن والسنة

أولى القرآن الكريم الوفاء بالعهود مكانة رفيعة، فجعله من صفات المؤمنين الصادقين ومن شروط الفلاح في الدنيا والآخرة. ووصف الله تعالى الزواج بأنه ميثاق غليظ، وهو أثقل عهد بين اثنين من البشر، مما يدلّ على عِظم المسؤولية المترتبة على كلا الزوجين في حفظ هذا العهد وصونه.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ﴾

سورة النساء، الآية 21

هذه الآية تكشف عن بُعد عميق في مفهوم الوفاء الزوجي: فقوله «أفضى بعضكم إلى بعض» يشير إلى الألفة والقرب والأسرار المشتركة التي لا يطّلع عليها غيرهما، وهذا القرب يُوجب الوفاء لأنّ من ائتمنك على أسراره وضعفه لا يجوز أن تخونه. والقرطبي رحمه الله فسّر الميثاق الغليظ بأنّه العهد الذي أخذه الله على الزوج بحفظ زوجته والإحسان إليها والوفاء بحقوقها، وهو عهد يُسأل عنه بين يدي الله.

﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾

سورة الإسراء، الآية 34

وجاءت السنة النبوية لتُؤكّد هذا المعنى وتُعمّقه. فالنبي ﷺ حذّر من نقض العهود وجعله من علامات النفاق التي تُشوّه إيمان صاحبها وتُفسد علاقته بالله والناس.

❝ آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ❞

رواه البخاري ومسلم

تأمّل كيف جمع هذا الحديث الشريف بين ثلاث صفات كلّها تنقض أخلاقيات الحب من جذورها: الكذب ينقض الصدق، وإخلاف الوعد ينقض الوفاء، والخيانة تنقض الثقة. فمن اجتمعت فيه هذه الصفات الثلاث فقد هدم أركان العلاقة كلّها، وصارت حياته الزوجية أطلالاً لا يسكنها حب ولا أمان.

وقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية 8]. فجعل رعاية الأمانات والعهود من صفات أهل الفلاح، والزواج أعظم أمانة وأغلظ عهد بين اثنين من البشر. والإمام ابن كثير رحمه الله بيّن أنّ رعاية العهد تشمل حفظه من الانتقاص والتقصير والإهمال، لا مجرّد عدم نقضه الصريح.

نموذج النبي ﷺ في الوفاء لخديجة

لا يمكن الحديث عن الوفاء في الحب دون التوقف طويلاً عند أعظم نموذج عرفته البشرية: وفاء النبي ﷺ لزوجته خديجة رضي الله عنها. فقد كانت خديجة أوّل من آمن به وصدّقه ونصره حين كذّبه الناس، وواسته بمالها حين حوصر، وثبّتته بكلماتها حين اضطربت نفسه. وقد ردّ لها ﷺ هذا الجميل وفاءً منقطع النظير لا مثيل له في التاريخ.

فبعد وفاة خديجة رضي الله عنها — وقد عاش بعدها أكثر من عشر سنوات — ظلّ ﷺ يذكرها بالثناء والحب كأنها ما زالت بين يديه. كان إذا ذبح شاة قطّعها ثم بعث بها إلى صديقات خديجة. وكان يقول: «إني قد رُزقت حبّها». وحين دخلت عليه هالة بنت خُوَيلد — أخت خديجة — سمع صوتها فتذكّر خديجة واهتزّ لذلك وقال: «اللهم هالة!» من شدّة ما ذكّرته بأختها.

❝ ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكنّ النبي ﷺ كان يُكثر ذكرها ❞

السيدة عائشة رضي الله عنها — رواه البخاري ومسلم

هذا الحديث يكشف عن عمق مذهل: فعائشة رضي الله عنها — وهي أحبّ أزواجه إليه بعد خديجة — تغار من امرأة لم ترها قط، لأنّ النبي ﷺ لم يتوقّف عن ذكرها والإحسان إلى ذكراها. هذا هو الوفاء الذي يتجاوز حدود الزمن: لم ينتهِ بموتها، ولم يُضعفه زواجه بغيرها، ولم يُنسه إياها مرور السنين. لقد علّمنا النبي ﷺ أنّ الوفاء الحقيقي ليس مرتبطاً بالحضور الجسدي للشريك، بل هو حالة قلبية دائمة لا تتبدّل.

وفي رواية أخرى أنّ عجوزاً جاءت تزور النبي ﷺ فأكرمها غاية الإكرام وبسط لها رداءه، فلمّا سُئل عن ذلك قال: «إنها كانت تأتينا في زمن خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان». فربط ﷺ بين الوفاء والإيمان ربطاً لا ينفصم، وجعل حسن العهد — أي الوفاء لمن أحسن إليك — علامة من علامات الإيمان الصادق. وهذا يعني أنّ المؤمن الذي ينسى فضل شريكه عليه أو يتنكّر له بعد زوال الحاجة إليه قد نقص إيمانه بقدر نقصان وفائه. اقرأ المزيد عن هذه القصة النبوية العظيمة.

أبعاد الإخلاص: القلب والجوارح والمشاعر

كثيرون يختزلون الإخلاص في بُعد واحد: عدم الخيانة الجسدية. لكنّ المفهوم الإسلامي للإخلاص أعمق وأشمل من ذلك بكثير، إذ يتضمّن ثلاثة أبعاد متكاملة لا يكتمل الإخلاص إلا باجتماعها جميعاً. وقد فصّل الإمام الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين» هذه الأبعاد وبيّن كيف يتحقّق كل منها في حياة الزوجين.

البُعد الأول: إخلاص القلب. وهو أن يكون قلب المحبّ متعلّقاً بشريكه لا يلتفت إلى غيره بحنين أو شوق أو تمنٍّ. لا يعني هذا أنّ المسلم لن يلاحظ جمالاً في الدنيا، لكنّه يعني أنّه لا يسمح لهذه الملاحظة أن تنمو إلى تعلّق أو مقارنة تُنقص من قدر شريكه في قلبه. وقد أمر الله تعالى بغضّ البصر لحكمة بالغة: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [سورة النور، الآية 30]، لأنّ العين بوابة القلب، فمن حفظ عينه حفظ قلبه لشريكه. وابن القيم رحمه الله بيّن أنّ إطلاق البصر يُضعف تعلّق القلب بالشريك ويُشتّت المشاعر، فيفقد الإنسان القدرة على الحب العميق المركّز.

البُعد الثاني: إخلاص الجوارح. وهو أن يصون الإنسان نفسه وجسده لشريكه، فلا يمدّ يده أو عينه أو لسانه إلى ما حرّم الله. وهذا البعد يشمل أيضاً الأمانة في استخدام وسائل التواصل الحديثة التي صارت باباً واسعاً للفتنة والخيانة. فمن أرسل رسائل خفية أو أنشأ علاقات مستترة عبر الشاشات فقد خان عهده وإن لم يلتقِ بأحد جسدياً. والنبي ﷺ قال: «العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي» [رواه مسلم]، فبيّن أنّ الخيانة تبدأ من أعضاء كثيرة قبل أن تصل إلى غايتها.

البُعد الثالث: إخلاص المشاعر. وهو أن يُعطي الإنسان شريكه أولوية الاهتمام والعناية العاطفية. فالإنسان الذي يُهمل مشاعر شريكه ويُعطي وقته واهتمامه لغيره — سواء كان عملاً أو صداقات أو هوايات — يرتكب نوعاً من الخيانة العاطفية وإن لم يكن فيها حرام ظاهر. إنّ الإخلاص في المشاعر يعني أن يشعر شريكك بأنه الأول في حياتك لا الأخير، وأنّ اهتمامك به ليس فضلة وقت بل صدارة أولوياتك. والإمام الغزالي أكّد أنّ الإحسان العاطفي من أعظم أبواب البرّ بالزوج، وأنّ من بخل بمشاعره على شريكه فقد بخل بأثمن ما يملك.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

سورة المؤمنون، الآية 8

وقد نبّه ابن حزم رحمه الله إلى أنّ الوفاء لا يكون في الخير وحده بل في ستر العيوب أيضاً. فمن أفشى أسرار شريكه أو تحدّث عن عيوبه أمام الناس فقد نقض العهد وخان الأمانة. والنبي ﷺ حذّر من هذا أشدّ التحذير حين قال: «إنّ من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرّها» [رواه مسلم]. فستر الأسرار الزوجية بُعد جوهري من أبعاد الإخلاص والوفاء، ومن فرّط فيه فقد فرّط في أمانة عظيمة.

الوفاء في الأزمات: الامتحان الحقيقي

قال ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين»: لا تُعرف حقيقة الوفاء إلا عند تغيّر الأحوال. وهذه حكمة بالغة، فالوفاء الحقيقي لا يُختبر في أيام الرخاء والسعادة حين يكون الحب سهلاً والحياة ميسّرة، بل يُختبر في الأزمات والشدائد حين تضيق الأمور ويشتدّ البلاء ويُغري الشيطان بالتخلّي والهروب.

وأعظم نموذج في هذا الباب ما فعلته خديجة رضي الله عنها حين جاءها النبي ﷺ من غار حراء يرتجف ويقول: «زمّلوني زمّلوني». لم تتخلَّ عنه ولم تشكّ فيه ولم تخف منه، بل قالت له كلمات هي من أعظم ما قيل في الوفاء: «كلّا والله ما يُخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتُعين على نوائب الحق» [رواه البخاري ومسلم]. لقد ذكّرته بصفاته الحميدة في لحظة ضعفه، وثبّتته بيقينها في لحظة شكّه. هذا هو الوفاء الذي يصنع الفارق: أن تكون سنداً لشريكك حين يحتاج إليك أكثر ما يكون.

والأزمات التي تمتحن وفاء الزوجين كثيرة ومتنوّعة: المرض المزمن الذي يُبدّل شكل الحياة كلها، والضائقة المالية التي تضغط على النفوس، وفقدان الأحبة الذي يُلقي بظلاله الثقيلة على البيت، والخلافات العائلية التي تتدخّل في شؤون الزوجين. في كل هذه المحن، يتبيّن الوفيّ من المتقلّب، ويظهر المخلص من المنافق. والقرآن الكريم بيّن أنّ الابتلاء سنّة إلهية لا مفرّ منها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية 155].

والإمام الغزالي رحمه الله ذكر أنّ من أعظم صور الوفاء في الأزمات أن يصبر الزوج على مرض زوجته ولا يتخلّى عنها، وأن تصبر الزوجة على فقر زوجها ولا تُعيّره. وأشار إلى أنّ الصبر في هذه المواقف ليس مجرّد تحمّل سلبي، بل هو وفاء إيجابي فاعل يُترجم نفسه في رعاية ومساندة ودعم حقيقي. فالوفيّ لا يقول «سأبقى رغم المحنة» فحسب، بل يقول «سأقف معك وأحمل عنك وأُخفّف عنك حتى نعبر هذه المحنة معاً». وهذا هو جوهر قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة، الآية 187]، فاللباس يستر ويحمي ويُدفئ، وكذلك الزوج الوفيّ يكون لشريكه ستراً وحماية ودفئاً في أحلك الأوقات.

ومن أخطر ما يهدّد الوفاء في الأزمات: المقارنة بالآخرين. فحين يمرّ الزوجان بأزمة، قد يبدأ أحدهما في مقارنة حياته بحياة الآخرين فيرى أنّ فلاناً أسعد حالاً وأكثر راحة، فيبدأ الندم والتقصير والتخلّي التدريجي. والحقيقة أنّ كل بيت فيه ابتلاؤه الخاص، وكل زوجين يخوضان معاركهما الخفية التي لا يراها الناس. والوفيّ هو من ينظر إلى ما عنده بعين الرضا ويعمل على إصلاحه بدلاً من أن يتطلّع إلى ما عند غيره بعين الحسرة.

ومن صور الوفاء في الأزمات أيضاً: الدفاع عن الشريك في غيابه، وعدم السماح لأحد بالإساءة إليه ولو كان من أقرب الأقربين. فالوفيّ يحمي سمعة شريكه كما يحمي سمعته، ويصون كرامته كما يصون كرامته. وقد ضرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه أروع مثال في ذلك حين دافع عن عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك ووقف إلى جانبها بلا تردّد. إنّ فلسفة الحب الحقيقي تقوم على أنّ الوفاء ليس خياراً مشروطاً بل عهد غير مشروط.

خاتمة: الوفاء عبادة وقربة

يتبيّن ممّا سبق أنّ الوفاء والإخلاص ليسا مجرّد فضيلتين اجتماعيتين نتحلّى بهما لإرضاء الناس، بل هما عبادتان عظيمتان يتقرّب بهما المؤمن إلى الله. فمن وفى بعهده مع شريكه فقد وفى بعهده مع الله الذي أمر بالوفاء، ومن أخلص لشريكه فقد حقّق مقام الإخلاص الذي هو روح العبادة كلّها. والنبي ﷺ ربط بين الوفاء والإيمان ربطاً لا ينفصم حين قال: «إنّ حسن العهد من الإيمان»، فجعل الوفاء شعبة من شعب الإيمان يزيد بها المؤمن ويرتقي.

والوفاء ليس حالة ثابتة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، بل هو مسيرة يومية من الاختيارات الصغيرة التي تُشكّل في مجموعها صورة كبيرة لعلاقة مبنية على الأمانة والإخلاص. كل صباح تختار فيه أن تُعطي شريكك أولوية الاهتمام، وكل مساء تغضّ فيه بصرك عمّا حرّم الله، وكل أزمة تقف فيها إلى جانب شريكك دون تخلٍّ — كل ذلك لبنات في بناء الوفاء الذي يجعل من بيتكما حصناً لا تخترقه رياح الفتن.

وختاماً، فإنّ أجمل ما في الوفاء أنه يُثمر سكينة لا تُقدّر بثمن. فالزوجان اللذان يثق كل منهما بوفاء صاحبه يعيشان في سلام نفسي عميق، لا يقلقهما وسواس الشك ولا يُرهقهما هاجس الخيانة. وهذه السكينة هي المقصد الأسمى الذي أشار إليه القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم، الآية 21]. فلنجعل من الوفاء والإخلاص طريقنا إلى هذه السكينة، ولنتذكّر دائماً أنّ كل عهد نحفظه مع شريكنا هو عهد نحفظه مع الله الذي سمّى هذا العقد ميثاقاً غليظاً.

"إنّ حسن العهد من الإيمان" — رسول الله ﷺ (رواه الحاكم، وصحّحه)

أسئلة شائعة حول الوفاء والإخلاص

س:ما الفرق بين الوفاء والإخلاص في العلاقة الزوجية؟

ج:الوفاء هو حفظ العهد والميثاق الذي قطعه الإنسان على نفسه تجاه شريكه، ويشمل الالتزام بالوعود والبقاء إلى جانب الشريك في السراء والضراء. أما الإخلاص فهو أعمق من ذلك، إذ يتعلّق بنقاء القلب وصفاء النية تجاه الشريك، بحيث لا يتعلّق القلب بغيره ولا تطوف المشاعر حول سواه. فالوفاء سلوك ظاهر والإخلاص حالة قلبية باطنة، والمسلم مطالب بكليهما. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

س:كيف أتعامل مع الشعور بعدم وفاء شريكي لي؟

ج:أولاً: لا تتسرّع في الحكم، فقد يكون ما تراه تقصيراً هو في حقيقته انشغال أو ضغط يمرّ به شريكك. ثانياً: افتح حواراً هادئاً وصريحاً بعيداً عن الاتهام، واستخدم عبارات مثل «أنا أشعر بأنّ...» بدلاً من «أنت لا تهتم». ثالثاً: كن واضحاً في بيان ما تحتاجه تحديداً من شريكك لتشعر بالوفاء والاهتمام. رابعاً: إن استمرّ الشعور بالتقصير رغم الحوار، فلا حرج من اللجوء إلى مستشار أسري يُساعد في إعادة بناء الثقة والتواصل.

س:هل يُعدّ الانشغال الدائم بالعمل شكلاً من أشكال عدم الوفاء؟

ج:الانشغال بالعمل في حدّ ذاته ليس خيانة، لكنه قد يتحوّل إلى شكل من أشكال التقصير إذا أدّى إلى إهمال مستمر لحقوق الشريك العاطفية والنفسية. فالوفاء لا يقتصر على عدم الخيانة الجسدية، بل يشمل الحضور العاطفي والاهتمام اليومي. النبي ﷺ مع عِظم مسؤولياته كان يُخصّص وقتاً لأزواجه ويمزح معهن ويسابقهن. والتوازن بين العمل والأسرة فريضة إسلامية، فقد قال ﷺ: «إنّ لربّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كل ذي حق حقّه» [رواه البخاري].

س:كيف حثّ الإسلام على الوفاء بعد وفاة أحد الزوجين؟

ج:ضرب النبي ﷺ أروع نموذج في ذلك بوفائه لخديجة رضي الله عنها بعد وفاتها بسنوات طويلة. فكان يذكرها بالخير ويُثني عليها ويُكرم صديقاتها ويصل أقاربها ويذبح الشاة ويُرسل إلى خُلّتها. وهذا يدل على أنّ الوفاء في الإسلام لا ينتهي بالموت، بل يمتدّ إلى ما بعده. ومن صور الوفاء بعد الوفاة: الدعاء للمتوفى، والصدقة عنه، والإحسان إلى أهله وأصدقائه، وذكره بالخير أمام أبنائه.

س:ما علاقة غضّ البصر بالإخلاص للشريك؟

ج:غضّ البصر هو أول أبواب الإخلاص العملي في الإسلام، لأنّ العين بريد القلب كما قال العلماء. قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]. فمن حفظ بصره حفظ قلبه لشريكه، ومن أطلق بصره فتح باباً للمقارنة والتعلّق بغير شريكه. وابن القيم بيّن أنّ إطلاق البصر يُورث أربعة أشياء كلها مدمّرة للعلاقة الزوجية: الحسرة والحزن وضعف القلب وتشتّت الفكر. فغضّ البصر استثمار في نقاء القلب وعمق الإخلاص للشريك.