الإحسان في الحب

أعلى مراتب المعاملة — حين يتجاوز الحب العدلَ إلى الجمال

مقدمة: الإحسان أعلى مراتب المعاملة

في سلّم المعاملات الإنسانية ثلاث درجات: الظلم وهو أن تأخذ ما ليس لك وتمنع ما وجب عليك، والعدل وهو أن تعطي كل ذي حقّ حقه لا تزيد ولا تنقص، والإحسان وهو أن تتجاوز العدل إلى مقام أسمى من العطاء والجمال والنبل. والإسلام لم يكتفِ بالأمر بالعدل — وهو في ذاته مقام رفيع — بل حثّ على الإحسان وجعله غاية المؤمن في كل تعاملاته.

والعلاقة الزوجية هي أولى العلاقات التي يحتاج فيها الإنسان إلى الارتقاء من العدل إلى الإحسان. فالبيت الذي يُدار بالعدل وحده بيتٌ تسوده الحقوق والواجبات والحسابات الدقيقة، أما البيت الذي يُدار بالإحسان فهو بيتٌ تسوده المحبة والتفضّل والكرم. العدل يمنع الظلم، لكن الإحسان يصنع السعادة. العدل يحفظ الحقوق، لكن الإحسان يُزهر القلوب.

ولذلك جاء الأمر الإلهي بالعدل والإحسان معاً في آية واحدة جامعة، ليُبيّن أنّ العدل أساس لا يُستغنى عنه، وأنّ الإحسان ذروة لا ينبغي التوقف دونها. وكما قال الإسلام عن الحب: إنّ الحب الحقيقي لا يقف عند حدود الواجب بل يتدفق تدفقاً طبيعياً نحو ما هو أجمل وأنبل وأكرم.

مفهوم الإحسان في القرآن والسنة

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾

سورة النحل، الآية 90

هذه الآية العظيمة التي وصفها ابن مسعود رضي الله عنه بأنها أجمع آية في القرآن للخير والشر تضع الإحسان في المرتبة التالية للعدل مباشرة، مما يدل على عظم مكانته في المنظومة الأخلاقية الإسلامية. فالله عزّ وجلّ لم يأمر بالعدل وحده ولم يأمر بالإحسان وحده، بل جمع بينهما لأنّ العدل هو الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، والإحسان هو الأفق الأعلى الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن.

والإمام القرطبي رحمه الله فسّر الإحسان في هذه الآية بأنه يشمل معنيين: الأول أن يُحسن الإنسان في عبادته لله، والثاني أن يُحسن في معاملته للناس. وأقرب الناس إليك وأحقّهم بإحسانك هو شريك حياتك الذي جعل الله بينكما ميثاقاً غليظاً. وقد أكد ابن كثير في تفسيره أنّ الإحسان إلى ذي القربى في الآية يبدأ بالزوج والزوجة قبل غيرهما من الأقارب.

وفي حديث جبريل الشهير، سأل جبريل عليه السلام النبي ﷺ عن الإحسان، فأجابه بتعريف بليغ جامع:

❝ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ❞

رواه مسلم

هذا التعريف النبوي يُؤسّس لمفهوم عميق: الإحسان هو أن تستشعر المراقبة الإلهية في كل فعل تفعله، فتُتقنه وتُجمّله وترتقي به. وإذا نقلنا هذا المفهوم إلى الحياة الزوجية، فإنّ المُحسن هو من يعامل شريكه كأنّ الله ينظر إليه في تلك اللحظة — فلا يظلم ولا يُقصّر ولا يقول كلمة جارحة ولا يبخل بلطف. إنّه يجعل من كل تعامل مع شريكه عبادةً يتقرب بها إلى الله.

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

سورة الرحمن، الآية 60

وهذه الآية تكشف عن قانون إلهي راسخ: الإحسان يُنتج إحساناً. فمن أحسن إلى شريكه وجد شريكه يُحسن إليه بطبيعته، لأنّ النفس البشرية مفطورة على مبادلة الجميل بالجميل. وابن القيم رحمه الله أشار إلى أنّ هذا القانون يسري في الدنيا والآخرة على حدّ سواء: فمن أحسن في دنياه أحسن الله إليه في آخرته، ومن أحسن إلى الناس أحسنوا إليه ولو بعد حين. وفي العلاقة الزوجية يتجلّى هذا القانون بأوضح صوره: الزوج المُحسن تُحسن إليه زوجته، والزوجة المُحسنة يُحسن إليها زوجها، ويدور بينهما دائرة من الخير والجمال لا تنقطع.

الإحسان في معاملة الزوج والزوجة: نماذج نبوية

لم يكن النبي ﷺ يكتفي بأداء حقوق أزواجه فحسب — وهو العدل — بل كان يتجاوز ذلك إلى الإحسان في أبهى صوره. كان يُسابق عائشة رضي الله عنها على قدميه، ويُناديها بالألقاب المحببة، ويُصغي إليها حين تحكي له القصص الطويلة دون ملل أو استعجال. وهذه الأفعال ليست من باب الواجب الذي يُؤدّيه المرء إسقاطاً للتكليف، بل من باب الإحسان الذي يفيض من قلب محبّ كريم.

❝ خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ❞

رواه الترمذي وابن ماجه — حديث صحيح

هذا الحديث الشريف يربط بين الخيرية المطلقة والإحسان إلى الأهل. فلم يقل النبي ﷺ: «خيركم أكثركم صلاة» أو «أكثركم صياماً» في هذا السياق، بل قال: «خيركم خيركم لأهله»، مما يدل على أنّ الإحسان إلى الأهل ميزان حقيقي لخيرية الإنسان ورقيّ أخلاقه. وقد كان ﷺ يُثبت هذا القول بفعله: كان يخدم أهله في بيته، يخصف نعله ويرقّع ثوبه ويحلب شاته، وكان يقول كما روت عائشة رضي الله عنها: «كان في مهنة أهله» — أي في خدمتهم — «فإذا سمع الأذان خرج إلى الصلاة».

ومن أجمل نماذج الإحسان النبوي: حين كان ﷺ يضع فمه في الموضع الذي شربت منه عائشة رضي الله عنها من الإناء تعبيراً عن القرب والمودة، وحين كان يتّكئ في حجرها وهو يقرأ القرآن، وحين كان يأمر أصحابه بحسن معاملة النساء ويقول: «استوصوا بالنساء خيراً» (رواه البخاري ومسلم). هذه الأفعال النبوية ترسم خريطة واضحة لما ينبغي أن يكون عليه الإحسان الزوجي: لطف في القول، ورفق في الفعل، وحضور دائم بالقلب والجسد.

والإمام الغزالي رحمه الله علّق على هذه النماذج النبوية في «إحياء علوم الدين» فقال إنّ النبي ﷺ كان يُعامل أزواجه بما يفوق العدل بكثير، لأنّه كان يستشعر أنّ الإحسان إليهنّ عبادة وقربة إلى الله. وأشار إلى أنّ المسلم ينبغي أن يتخذ من سيرة النبي ﷺ مع أزواجه منهاجاً عملياً لا مجرد قصص تُروى، فيُطبّق ما استطاع من هذا الإحسان النبوي في حياته اليومية مع شريك حياته.

الفرق بين العدل والإحسان في العلاقة

العدل والإحسان كلاهما مطلوب شرعاً، لكنّ بينهما فرقاً جوهرياً ينعكس على جودة العلاقة الزوجية. العدل هو أن تُعطي شريكك ما له عليك من حقوق: النفقة، والسكن، والمعاشرة، والاحترام. وهذا حدّ أدنى لا يجوز الإخلال به. أما الإحسان فهو أن تتجاوز هذه الحقوق إلى ما هو أرقى وأجمل: أن تُكرم شريكك لا لأنّه يستحق فحسب، بل لأنّك تُحبّه وتريد أن تراه سعيداً.

ولتوضيح الفرق بمثال عملي: العدل أن تُنفق على أسرتك بالمعروف، والإحسان أن تُفاجئ زوجتك بهدية لم تطلبها فقط لأنك تذكّرتها وأنت في الطريق. العدل أن تستمع إلى شريكك حين يتحدث إليك، والإحسان أن تسأله عن يومه وهمومه قبل أن يبدأ هو بالحديث. العدل ألّا تسيء إلى شريكك، والإحسان أن تبادر بالخير قبل أن يُطلب منك.

وقد فرّق الراغب الأصفهاني رحمه الله في «مفردات ألفاظ القرآن» بين العدل والإحسان تفريقاً دقيقاً فقال: العدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، أما الإحسان فهو أن يُقابل الخير بأكثر منه والشرّ بأقلّ منه. وهذا التعريف حين نُطبّقه على الحياة الزوجية يعني: إذا أحسن إليك شريكك فأحسن إليه بأكثر مما أحسن، وإذا أساء إليك فقابل إساءته بإحسان أو تجاوز — وهذا هو المقام العالي الذي يُحوّل العلاقة من شراكة حقوقية إلى رابطة حب ونبل وإكرام.

﴿ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

سورة البقرة، الآية 237

هذه الآية الكريمة — وإن جاءت في سياق أحكام الطلاق — تُرسّخ مبدأ عظيماً في العلاقة بين الزوجين: لا تنسوا الفضل والإحسان فيما بينكم. فحتى في أصعب اللحظات وأكثرها توتراً، ينبغي أن يظل الفضل والتفضّل حاضراً بين الشريكين. فالعلاقة التي تُدار بالفضل والإحسان تبقى جميلة حتى حين تمرّ بعواصف وأزمات، كما يبقى النهر عذباً حتى حين تهبّ عليه الرياح.

الإحسان العملي: أفعال يومية صغيرة بأثر كبير

قد يظنّ البعض أنّ الإحسان يحتاج إلى أفعال عظيمة وتكاليف باهظة، والحقيقة أنّ أعمق الإحسان وأجمله يكمن في التفاصيل الصغيرة التي تُملأ بها الحياة اليومية. فالنبي ﷺ أرشدنا إلى أنّ أبسط الأفعال قد تكون أعظمها أثراً:

❝ تبسّمك في وجه أخيك صدقة ❞

رواه الترمذي — حديث صحيح

فإذا كان التبسّم في وجه أيّ مسلم صدقة، فكيف بالتبسّم في وجه شريك حياتك الذي هو أولى الناس بابتسامتك ولطفك؟ الإحسان اليومي يبدأ من لحظة الاستيقاظ: كلمة صباحية دافئة، أو دعاء تقوله لشريكك وهو لا يزال نائماً. ويمتد على مدار اليوم في لفتات بسيطة: رسالة نصية تسأله فيها عن حاله أثناء العمل، أو تحضير وجبته المفضلة دون مناسبة، أو تجديد الحب بهدية بسيطة تُعبّر عن تقديرك.

ومن أجمل صور الإحسان العملي: الشكر والتقدير. كثير من الأزواج يقومون بواجباتهم اليومية — الطبخ والتنظيف والعمل والكسب — دون أن يسمعوا كلمة شكر واحدة. والمُحسن هو من يرى هذا الجهد ويُقدّره ويشكره. قال النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» (رواه أحمد والترمذي — حديث صحيح)، وشريك حياتك هو أول من يستحق شكرك. لا تقل: «هذا واجبها» أو «هذا دوره»، بل قل: «شكراً، جزاك الله خيراً، أنا أقدّر ما تفعله».

ومن الإحسان العملي أيضاً: تخفيف الأعباء عن الشريك دون أن يطلب. فحين ترى زوجتك متعبة فتتولّى أنت بعض أعمال المنزل أو رعاية الأطفال، أو حين ترين زوجك مهموماً فتُصغين إليه وتُشعرينه بالأمان — هذا إحسان لا يُقدّر بثمن. والإمام الغزالي رحمه الله أكد أنّ خدمة الأهل لا تُنقص من قدر الرجل شيئاً، بل ترفعه مقاماً عند الله وعند أهله، مستدلاً بفعل النبي ﷺ الذي كان يخدم أهله بيده الشريفة.

والإحسان العملي يشمل كذلك: الدعاء للشريك في ظهر الغيب، والحديث عنه بالخير أمام الآخرين، والدفاع عنه في غيابه، والتماس الأعذار حين يُقصّر في شيء. كل هذه أفعال صغيرة في ظاهرها لكنها عظيمة في أثرها، لأنها تبني طبقات من المحبة والثقة والاحترام المتبادل الذي يجعل العلاقة الزوجية واحة سكينة لا حلبة صراع.

الإحسان في وقت الخلاف: الامتحان الحقيقي

الإحسان في أوقات الرضا والوئام سهلٌ على النفس، فكلّنا نستطيع أن نكون لطفاء حين تسير الأمور على ما يُرام. لكنّ الامتحان الحقيقي للإحسان يكون في وقت الخلاف والغضب، حين تغلي المشاعر ويضيق الصدر وتكاد الكلمات القاسية تنطلق من اللسان دون رقيب. هنا يتفاوت الناس تفاوتاً عظيماً: فمنهم من ينزل إلى أسفل درجات الظلم، ومنهم من يحافظ على العدل بصعوبة، ومنهم من يرتقي إلى مقام الإحسان رغم كل شيء.

❝ ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنّما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب ❞

رواه البخاري ومسلم

هذا الحديث النبوي يقلب الموازين البشرية: فالقوي الحقيقي ليس من يغلب الآخرين بجسده أو بصوته العالي، بل من يغلب نفسه عند الغضب فيملك لسانه ويضبط مشاعره ويختار الإحسان رغم إلحاح النفس على الانتقام. والإحسان في وقت الخلاف له صور كثيرة: أن تختار الكلمة اللينة بدلاً من الكلمة القاسية، وأن تحفظ كرامة شريكك فلا ترفع صوتك ولا تُهين ولا تسخر، وأن تتجنب ذكر الأخطاء القديمة والمواقف السابقة التي سبق التسامح فيها.

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

سورة فصلت، الآية 34

هذه الآية تُقدّم أعظم وصفة لعلاج الخلافات: ادفع بالتي هي أحسن. لا بالمثل، ولا بالأسوأ، بل بالأحسن. والنتيجة المذهلة التي يعد بها القرآن: أنّ العدو يتحول إلى ولي حميم. فإذا كان هذا التحوّل ممكناً مع العدو، فكيف مع شريك حياتك الذي تربطك به مودة ورحمة وأبناء وذكريات؟ إنّ مقابلة الإساءة بالإحسان ليست ضعفاً — كما قد يتوهم البعض — بل هي أقوى سلاح لإطفاء نار الغضب وإعادة بناء الجسور بين القلوب.

وابن القيم رحمه الله علّق على هذه الآية فقال إنّ الله لم يُطلقها لكل أحد، بل قيّدها في الآية التي تليها بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35)، أي أنّ هذا المقام لا يبلغه إلا أصحاب الصبر العظيم والحظ الكبير من الإيمان. فمن أراد أن يكون من أهل الإحسان في وقت الخلاف فليتحلّ بالصبر وليتذكّر أنّ المسامحة والعفو من أعظم أبواب الإحسان التي يتقرب بها إلى الله.

ومن الحكمة النبوية في إدارة الخلاف: التوقف عن الكلام حين يشتدّ الغضب، والوضوء لتبريد حرارة النفس، وتغيير الوضعية — فإن كنت واقفاً فاجلس، وإن كنت جالساً فاضطجع — كما أرشد النبي ﷺ. وبعد أن يهدأ الغضب يأتي دور الصدق والشفافية في التعبير عن المشاعر والاحتياجات بلغة هادئة وراقية، بعيداً عن الاتهام والتجريح. إنّ الخلاف في ذاته ليس عيباً — فلا يوجد بيت يخلو من الخلاف — لكنّ العيب أن يُدار الخلاف بالظلم والقسوة بدلاً من الإحسان والرحمة.

خاتمة: الإحسان رحلة لا تنتهي

الإحسان في الحب ليس محطة تصل إليها ثم تتوقف، بل هو رحلة مستمرة من الارتقاء والتجدّد. ستكون هناك أيام تُحسن فيها أجمل إحسان، وأيام أخرى تُقصّر فيها وتتراجع. والأهم ليس أن تكون مُحسناً كاملاً في كل لحظة — فهذا مقام الأنبياء — بل أن تكون مستمراً في المحاولة، عائداً إلى طريق الإحسان كلما حادَ عنه.

والإحسان في العلاقة الزوجية يتراكم أثره بمرور الزمن كما يتراكم ماء المطر ليصنع نهراً. كل كلمة طيبة، وكل لفتة لطيفة، وكل تسامح صادق، وكل صبر على زلّة — كل هذا يُبنى طبقة فوق طبقة حتى يتحول البيت إلى صرح من المحبة لا تهزّه عواصف الحياة. وكما أنّ البنيان المتين لا يُبنى في يوم واحد، فكذلك العلاقة الزوجية المبنية على الإحسان: تحتاج إلى وقت وصبر ومثابرة.

وختاماً، تذكّر أنّ كل إحسان تُقدّمه لشريك حياتك هو في حقيقته عبادة تتقرب بها إلى الله عزّ وجلّ. فمن أحسن إلى أهله فقد أحسن إلى نفسه أولاً، لأنّ الإحسان يُطهّر القلب ويُزكّي النفس ويرفع الدرجات عند الله. وقد جعل النبي ﷺ حسن الخلق مع الأهل من أثقل ما يُوضع في الميزان يوم القيامة. فلنجعل من بيوتنا محاريب إحسان، ومن كل يوم فرصة جديدة لنكون أفضل مما كنا بالأمس مع من نُحبّ.

﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ — سورة البقرة، الآية 195

أسئلة شائعة حول الإحسان في الحب

س:ما الفرق بين الإحسان والتضحية في العلاقة الزوجية؟

ج:الإحسان هو العطاء الذي ينبع من الحب والرغبة الذاتية في إسعاد الشريك، دون شعور بالإجبار أو انتظار مقابل. أما التضحية فقد تحمل معنى الألم والإكراه والتنازل عن الذات. الإحسان يُسعد صاحبه لأنه عبادة ومحبة، بينما التضحية القسرية تُنهك النفس وتولّد الاستياء. قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)، فالمُحسن يجد ثمرة إحسانه في قلبه قبل أن يراها في استجابة الآخر.

س:كيف أُحسن إلى شريكي وأنا غاضب منه؟

ج:الإحسان في وقت الغضب هو أصعب مراتب الإحسان وأكثرها أجراً. ابدأ بالصمت حتى يهدأ الغضب، فقد قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (رواه البخاري ومسلم). ثم تذكّر حسنات شريكك ومواقفه الطيبة معك. واحرص على ألّا تقول كلمة جارحة تندم عليها لاحقاً. الإحسان هنا يكون بحفظ كرامة الشريك حتى في لحظة الخلاف، واختيار الكلمة اللينة بدلاً من القاسية.

س:هل الإحسان واجب على الرجل فقط أم على الزوجين معاً؟

ج:الإحسان واجب على الزوجين معاً دون تمييز. فالآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90) جاءت عامة لكل المؤمنين. والنبي ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله» (رواه الترمذي)، وهذا يشمل الرجل والمرأة معاً. فكما أنّ الزوج مأمور بالإحسان إلى زوجته بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، فالزوجة كذلك مأمورة بالإحسان إلى زوجها بالاحترام والتقدير والعناية.

س:ما هي أبسط أفعال الإحسان اليومية بين الزوجين؟

ج:الإحسان اليومي لا يحتاج إلى جهد كبير بل إلى نيّة صادقة. من أبسط أفعاله: الابتسامة الصادقة عند اللقاء، والسؤال عن أحوال الشريك بصدق، وتحضير كوب شاي أو قهوة دون طلب، والمدح والثناء على ما يفعله الشريك، والدعاء له في ظهر الغيب. قال النبي ﷺ: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة» (رواه الترمذي)، فكيف بالتبسّم في وجه شريك حياتك!

س:كيف أستعيد الإحسان في علاقة فتر فيها الحب؟

ج:استعادة الإحسان تبدأ بقرار واعٍ من أحد الطرفين على الأقل. ابدأ بالأفعال الصغيرة دون انتظار ردّ مقابل: كلمة طيبة، لفتة لطيفة، هدية بسيطة. تذكّر الأيام الأولى وما كنت تفعله لإسعاد شريكك. واعلم أنّ القلوب تتقلب، وأنّ الفتور طبيعي لكنه ليس نهاية الطريق. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

صفحات ذات صلة