مقدمة: العفو خُلق الأقوياء
في كل علاقة إنسانية — مهما بلغت من العمق والصدق — لا بدّ أن تأتي لحظات يُخطئ فيها أحد الطرفين ويُجرح فيها الآخر. هذه حقيقة لا مفرّ منها، لأنّ البشر بطبيعتهم ناقصون وخطّاؤون. لكنّ السؤال الحقيقي ليس: هل ستحدث إساءات بين المحبين؟ بل: كيف نتعامل مع هذه الإساءات حين تحدث؟ وهنا تبرز قيمة المسامحة بوصفها واحدة من أعظم الأخلاق التي تحمي الحب من الانهيار وتمنحه فرصة للتجدّد والنمو.
والمسامحة في الإسلام ليست ضعفاً ولا استسلاماً ولا قبولاً بالظلم، بل هي قرار واعٍ يتخذه الإنسان القوي الذي يملك حقّ العقوبة لكنه يختار العفو. إنها ارتقاء بالنفس فوق مستوى الغضب والانتقام إلى مستوى الرحمة والسماحة. وقد جعل الله تعالى العفو من صفات المتقين الذين يستحقون جنّته ورضوانه، ورفع منزلة العافين عن الناس إلى مصاف أولياء الله الصالحين.
والعلاقة الزوجية بالذات هي أكثر العلاقات حاجة إلى المسامحة، لأنّ القرب الشديد بين الزوجين يجعل الاحتكاك أمراً يومياً، والاحتكاك يولّد شرارات من سوء الفهم والزلات اللفظية والتقصير غير المقصود. الزوجان اللذان لا يُتقنان فنّ المسامحة يتراكم بينهما جبل من الأحقاد الصغيرة التي تتحوّل مع الوقت إلى جدار صلب يفصل بين قلبيهما. أمّا الزوجان اللذان يجعلان العفو منهجاً وعادة، فإنّ علاقتهما تزداد عمقاً ومتانة مع كل عثرة يتجاوزانها معاً.
المسامحة في القرآن الكريم: آيات العفو والصفح
لم يكتفِ القرآن الكريم بالدعوة إلى المسامحة في آية أو آيتين، بل جعلها موضوعاً محورياً تتردد أصداؤه في عشرات الآيات الكريمة، مما يدلّ على عظم مكانتها في المنظومة الأخلاقية الإسلامية. وقد تنوّعت الألفاظ القرآنية التي تصف هذا الخلق العظيم بين العفو والصفح والمغفرة والتجاوز، وكل لفظ يحمل دلالة خاصة تُثري فهمنا لمعنى المسامحة الحقيقية.
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
سورة آل عمران، الآية 134
هذه الآية الكريمة ترسم ثلاث درجات متصاعدة في التعامل مع الإساءة: الدرجة الأولى كظم الغيظ وهو أن تمسك غضبك فلا تنفجر ولا تؤذي. والدرجة الثانية العفو وهو أن تُسقط حقّك في المعاقبة. والدرجة الثالثة والأعلى الإحسان وهو أن تُقابل الإساءة بالإحسان. ولاحظ أنّ الله ختم الآية بقوله «والله يحب المحسنين» — أي أنّ من ارتقى من كظم الغيظ إلى العفو ثم إلى الإحسان نال محبة الله عزّ وجلّ.
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾
سورة الشورى، الآية 40
هذه الآية تضع معادلة دقيقة في فقه المسامحة: الأصل أنّ لكل مظلوم حقّ الرد بالمثل — وهذا عدل. لكنّ من اختار العفو مع الإصلاح فأجره على الله — وهذا فضل. والقيد المهم هنا هو كلمة «وأصلح»، فالعفو المطلوب ليس عفواً أعمى يُديم الفساد، بل عفو مقترن بالإصلاح ومعالجة أسباب الخطأ. فمن عفا وسعى في إصلاح العلاقة بينه وبين شريكه فقد استحق أجراً لا يقدر على حسابه إلا الله.
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
سورة فصّلت، الآية 34
وهذه من أعظم آيات القرآن في بيان أثر المسامحة العملي: حين تُقابل الإساءة بالإحسان، فإنّ العدو يتحوّل إلى صديق حميم. وابن القيم رحمه الله علّق على هذه الآية فقال إنّها تصف سحر العفو الذي يُذيب الجليد بين القلوب ويُحوّل العداوة إلى مودة. وإذا كان هذا أثر العفو مع العدو، فكيف يكون أثره مع شريك الحياة الذي تربطك به مودة ورحمة وميثاق غليظ؟ إنّ كل لحظة عفو بين الزوجين تُعيد بناء الجسور وتُقوّي أواصر الحب بشكل لا يُتصوّر.
﴿ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾
سورة البقرة، الآية 237
وهذه الآية — وإن نزلت في سياق أحكام الطلاق — تحمل مبدأً عاماً بالغ الأهمية: العفو أقرب للتقوى، ولا ينبغي للمحبّين أن ينسوا الفضل بينهم. والإمام القرطبي رحمه الله فسّر «الفضل» بأنه تاريخ الإحسان والمودة بين الزوجين، فلا ينبغي أن يمحو خطأ واحد سنوات من الفضل والخير المتبادل. وهذا توجيه ربّاني عظيم لكل زوجين يمرّان بأزمة: تذكّرا الخير الذي بينكما قبل أن تحكما على العلاقة بسبب خطأ واحد.
هدي النبي ﷺ في المسامحة مع أهله
لم يكن بيت النبوة خالياً من الخلافات والزلات البشرية، فقد كان النبي ﷺ يعيش حياة طبيعية مع أزواجه بما فيها من لحظات توتر وغيرة وسوء فهم. لكنّ ما يميّز النموذج النبوي هو الطريقة التي كان يتعامل بها مع هذه المواقف: العفو السريع، والتجاوز الجميل، والحكمة في معالجة الأخطاء دون إهانة أو تجريح.
❝ ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قطّ بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله ❞
رواه مسلم
هذا الحديث يرسم صورة واضحة لرجل كان يملك كل أسباب القوة والسلطة، ومع ذلك لم يستخدمها قطّ في إيذاء أهل بيته. وعائشة رضي الله عنها روت مواقف كثيرة تدلّ على حلم النبي ﷺ وسعة صدره، فقد كانت تغار غيرة شديدة أحياناً — وهو أمر طبيعي — وكان ﷺ يتعامل مع غيرتها بحكمة وابتسامة. ومن ذلك أنّها كسرت إناء طعام أرسلته إحدى أمهات المؤمنين، فلم يغضب ﷺ بل قال بهدوء: «غارت أمّكم»، ثم أصلح الأمر بلطف.
وفي موقف آخر يكشف عن عمق المسامحة النبوية: حين تمالأت بعض أزواجه عليه في طلب النفقة، لم يُعنّفهن ولم يُقسِ عليهن، بل اعتزلهن شهراً كاملاً ليراجعن أنفسهن بأنفسهن. ثم بعد انقضاء الشهر عاد إليهن بقلب صافٍ لا يحمل حقداً ولا ضغينة. هذا هو العفو الحقيقي: أن تُعالج الخطأ بحزم ثم تطوي الصفحة بصدق. وهذا ما ينبغي أن يتعلّمه كل زوج وكل زوجة: المعالجة الحكيمة ثم المسامحة الصادقة، لا التجاهل الذي يُراكم الأحقاد، ولا الانتقام الذي يهدم البيوت.
❝ إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه ❞
رواه مسلم
وقد كان النبي ﷺ يُعلّم أصحابه المسامحة بالقدوة قبل الكلمة. ففي قصة الرجل الذي بشّره النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، تبيّن أنّ سرّ هذا الرجل أنه كان لا ينام وفي قلبه غلّ لأحد من المسلمين. قال: «أبيت وليس في قلبي غشّ لمسلم ولا حسد». وهذا يكشف أنّ المسامحة ليست مجرد فعل عابر بل هي حالة دائمة ينبغي أن يعيشها المسلم، خاصة مع أقرب الناس إليه — شريك حياته.
الفرق بين المسامحة والضعف والقبول بالظلم
من أكبر العقبات التي تمنع الناس من المسامحة هو الخلط بينها وبين الضعف أو القبول بالظلم. وهذا خلط خطير يجب تصحيحه. فالمسامحة في حقيقتها موقف قوة لا موقف ضعف، لأنّ الضعيف لا يملك خيار العفو أصلاً — إنه مجبر على السكوت. أما القوي فهو الذي يملك حقّ الرد والعقاب ثم يختار بإرادته الحرة أن يعفو. وقد قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (رواه البخاري ومسلم).
والإمام ابن تيمية رحمه الله فرّق تفريقاً دقيقاً بين العفو المحمود والعفو المذموم، فبيّن أنّ العفو المحمود هو الذي يكون من موقع قدرة مع إصلاح، أما العفو الذي يُعين المسيء على إساءته ويُشجّعه على تكرارها فهو ضعف مذموم لا فضيلة. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 41)، فأقرّ حقّ المظلوم في الانتصار لنفسه ورفض الظلم.
وفي سياق العلاقة الزوجية، يجب التمييز بين ثلاثة أنواع من الأخطاء: النوع الأول هو الزلات البشرية العابرة التي تحدث بسبب الإرهاق أو الضغوط أو سوء الفهم — وهذه ينبغي المسامحة فيها فوراً ودون تأخير. والنوع الثاني هو الأخطاء الجسيمة غير المتكررة التي يندم عليها صاحبها ويسعى لإصلاحها — وهذه تحتاج إلى وقت وجهد لكنّ المسامحة فيها ممكنة ومحمودة. والنوع الثالث هو الإساءة المتكررة المتعمّدة التي لا يُبدي صاحبها ندماً حقيقياً — وهذه ليست محلاً للمسامحة بل محلاً لوضع الحدود الصحية والمطالبة بالتغيير أو طلب المساعدة المتخصصة.
والإمام الغزالي رحمه الله نبّه في «إحياء علوم الدين» إلى أنّ المسامحة الحقيقية لا تعني التظاهر بأنّ شيئاً لم يحدث، بل تعني معالجة الجرح ثم تجاوزه. فكما أنّ الطبيب يُعالج الكسر أولاً ثم يترك العظم يلتئم، كذلك المسامحة: لا بدّ أولاً من الاعتراف بالألم ومعالجة أسبابه ثم إعطاء القلب فرصة ليتعافى. أما القفز فوق الجرح دون علاج فهو ليس مسامحة بل إنكار يُؤخّر التعافي ويُراكم الألم تحت السطح.
فن الاعتذار: كيف تعتذر بصدق
المسامحة لها وجهان متكاملان: فنّ العفو من جهة المظلوم، وفنّ الاعتذار من جهة المخطئ. ولا يكتمل أحدهما دون الآخر. فالاعتذار الصادق هو المفتاح الذي يفتح باب المسامحة، والاعتذار الكاذب أو الناقص هو ما يُغلق هذا الباب ويزيد الجراح عمقاً. والمؤسف أنّ كثيراً من الناس لا يُحسنون الاعتذار، فيظنون أنّ كلمة «آسف» وحدها كافية لمحو كل أثر، أو يعتذرون بطريقة تُحمّل الطرف الآخر المسؤولية: «أنا آسف إن كنتِ شعرتِ بالضيق» — وهذا ليس اعتذاراً بل تحميل للضحية مسؤولية مشاعرها.
الاعتذار الصادق في الإسلام يتضمّن عدة عناصر أساسية. أولاً: الاعتراف الصريح بالخطأ دون تبرير أو تحويل اللوم. أن تقول: «أخطأتُ حين قلتُ كذا» لا «أنتِ أغضبتِني فقلتُ كذا». فالاعتراف النظيف بالخطأ هو أول خطوة نحو الشفاء. ثانياً: فهم أثر الخطأ على مشاعر الشريك والتعبير عن هذا الفهم. أن تقول: «أعلم أنّ كلامي جرحك وأنك شعرتَ بالإهانة، وهذا آخر ما أريده». ثالثاً: التعبير عن الندم الحقيقي الذي ينبع من القلب لا من الرغبة في إنهاء الخلاف فقط.
رابعاً: تقديم خطة عملية للتغيير. فالاعتذار بلا تغيير كالتوبة بلا إقلاع — لا قيمة لها. أن تقول: «سأحرص من الآن أن أتحدّث معك باحترام حتى في لحظات الغضب، وإن شعرتُ أنني سأفقد أعصابي سأخرج من الغرفة حتى أهدأ». خامساً: منح الشريك الوقت الذي يحتاجه للتعافي دون استعجاله أو لومه على عدم المسامحة الفورية. فالجراح العميقة تحتاج وقتاً لتلتئم، والضغط على الشريك للمسامحة قبل أن يكون مستعداً قد يزيد الأمر سوءاً.
والنبي ﷺ علّمنا أنّ الكبر هو أكبر عائق أمام الاعتذار، فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر» (رواه مسلم). والتكبّر عن الاعتذار لشريك الحياة هو من أخطر صور الكبر، لأنه يقول للطرف الآخر: «كرامتي أهم من مشاعرك، وأنا أكبر من أن أعترف بخطئي». وابن القيم رحمه الله بيّن أنّ الاعتراف بالذنب من أنبل الأخلاق وأدلّها على شرف النفس، فإنّ الذي يعترف بخطئه يُثبت أنه أكبر من خطئه وأنّه قادر على التعلّم والنمو.
خطوات عملية للتسامح في العلاقة الزوجية
المسامحة قرار واعٍ يحتاج إلى خطوات عملية ومنهجية، وليست مجرد شعور عابر يأتي ويذهب. وفيما يلي خطوات مجرّبة تساعد على بناء ثقافة التسامح في العلاقة الزوجية:
1. اعترف بمشاعرك ولا تنكرها: قبل أن تُسامح، اسمح لنفسك أن تشعر بالألم والغضب والحزن. كبت المشاعر ليس مسامحة بل إنكار. اكتب ما تشعر به في ورقة، أو تحدّث إلى شخص تثق به، أو ارفع يديك بالدعاء واشكُ إلى الله ما في صدرك. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86). فالشكوى إلى الله ليست ضعفاً بل هي أعلى درجات القوة والتوحيد.
2. افهم دوافع الخطأ دون تبريره: حاول أن تفهم لماذا أخطأ شريكك. هل كان تحت ضغط شديد؟ هل أساء التعبير عن مشاعره؟ هل كان يُقلّد نمطاً تعلّمه من أسرته؟ الفهم لا يعني التبرير، لكنه يُساعدك على رؤية شريكك كإنسان ناقص يحاول — مثلك تماماً — ولا يُصيب دائماً. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «التمس لأخيك سبعين عذراً»، فكيف بشريك حياتك الذي تعرفه أكثر من أي إنسان آخر؟
3. تحدّث بصراحة عمّا تحتاجه: قبل أن تُعلن المسامحة، أخبر شريكك بوضوح بما تحتاجه ليُعاد بناء الثقة بينكما. هل تحتاج إلى اعتذار صريح؟ هل تحتاج إلى تعهّد بتغيير سلوك معيّن؟ هل تحتاج إلى وقت للتعافي؟ التعبير عن الاحتياجات بوضوح يمنع تراكم التوقعات غير المعلنة التي تُفسد المسامحة وتجعلها هشّة.
4. اتخذ قرار المسامحة وأعلنه: المسامحة قرار واعٍ وليست شعوراً تنتظره. قل لشريكك: «لقد سامحتك، وأنا مستعد/مستعدة لطيّ هذه الصفحة والمضي قدماً». هذا الإعلان الصريح مهم لأنه يُحرّرك من دور الضحية ويُحرّر شريكك من عبء الذنب المزمن، ويفتح المجال لبداية جديدة. لكن تذكّر أنّ المسامحة لا تعني أنك لن تتذكّر أو لن تتألم أحياناً، بل تعني أنك اخترت ألا تُبقي هذا الألم سيّداً على قلبك.
5. لا تُعد فتح الملفات القديمة: من أخطر ما يُفسد المسامحة أن يُعيد أحد الزوجين ذكر الخطأ القديم كلّما حدث خلاف جديد: «وأنتَ الذي فعلتَ كذا قبل سنة!». هذا السلوك يدلّ على أنّ المسامحة لم تكن حقيقية، أو أنّ الجرح لم يُعالَج بشكل كافٍ. إذا وجدتَ نفسك تعود إلى الماضي باستمرار، فقد تحتاج إلى مساعدة متخصصة لمعالجة الجرح العميق. وقد نهى النبي ﷺ عن المنّ والأذى بعد الإحسان، والمسامحة نوع من أعظم أنواع الإحسان.
6. ابنِ طقوساً للمصالحة: اجعلا للمصالحة بينكما طقوساً خاصة تُسهّل كسر الجمود بعد أي خلاف. بعض الأزواج يجعلون عناق الصلح علامة على انتهاء الخلاف، وبعضهم يخرجون معاً لمكان يحبّانه، وبعضهم يكتبون رسائل اعتذار ومسامحة. هذه الطقوس تُخفّف حدّة التوتر وتُذكّر الزوجين بأنّهما في فريق واحد حتى حين يختلفان. فكما كان النبي ﷺ يعرف مشاعر عائشة من حالها — «إني لأعلم إذا كنتِ عنّي راضية وإذا كنتِ عليّ غضبى» — ينبغي لكل زوج أن يتعلّم لغة شريكه في الغضب والرضا والمصالحة.
خاتمة: المسامحة بذرة تُزهر حبّاً
المسامحة في نهاية المطاف ليست هدية تقدّمها لشريكك فحسب، بل هي هدية تقدّمها لنفسك أولاً. فالقلب الذي يحمل الحقد والضغينة قلب مثقل مريض، لا يستطيع أن يُحبّ بحرية ولا أن يسعد بصدق. والمسامحة تُحرّر هذا القلب من أغلاله وتُعيد إليه خفّته وقدرته على الحب والبهجة. وقد قال بعض السلف: «ما أحسن العفو من القادر، والتواضع من العالم»، فالعفو حين يصدر من إنسان قادر على الانتقام يكون أجمل وأعظم أثراً.
وتذكّر دائماً أنّ المسامحة مهارة تتطوّر مع الممارسة والصبر. لا تتوقع من نفسك أن تكون مثالياً في العفو من أول مرة، فحتى الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجاهدون أنفسهم في كظم الغيظ والعفو عمّن أساء إليهم. المهم أن تسير في هذا الطريق وألا تتوقف، وأن تستعين بالله وبالدعاء والذكر على تطهير قلبك من كل غلّ.
ولعلّ أعظم ما يُعينك على المسامحة أن تتذكّر حاجتك أنت إلى مغفرة الله. فكلّنا مذنبون وكلّنا نحتاج إلى عفو الله في كل لحظة. وقد ربط الله تعالى بين عفوك عن الناس وبين عفوه عنك في قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: 22). فحين تُسامح شريكك، فأنت لا تُنقذ علاقتك فحسب، بل تُنقذ نفسك أيضاً من حمل لا تُطيقه، وترتقي إلى مقام العافين عن الناس الذين يحبّهم الله ويُحبّونه. فلنجعل من بيوتنا مدارس للعفو والتسامح، ولنتعلّم من نور الإسلام كيف نُسامح بقوة لا بضعف، وبحكمة لا بسذاجة، وبحبّ لا بخوف.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ — سورة الأعراف، الآية 199
