🤝

التعارف الصحي والشرعي

كيف تتعرف على شريكك المستقبلي وفق ضوابط الشريعة وآداب الإسلام

🤝

مقدمة: التعارف ضرورة شرعية

لم يترك الإسلام أمر الزواج للصدفة العمياء أو للعاطفة الطارئة، بل جعل التعارف المشروع بين المقبلين على الزواج ضرورة شرعية وحاجة إنسانية حقيقية. فالزواج ميثاق غليظ كما وصفه القرآن الكريم، ولا يُعقد الميثاق الغليظ مع مجهول لا تعرف عنه شيئاً. والتعارف هو الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى معرفة شريكه المحتمل معرفة كافية تعينه على اتخاذ قرار واعٍ ومستنير.

وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ التعارف حين أمر بالنظر إلى المخطوبة، ليس من باب الترفيه أو إشباع الفضول، بل من باب تحقيق المصلحة الشرعية وبناء الألفة بين الزوجين. فقد روى الترمذي والنسائي أنّ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه خطب امرأة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما»

(رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني)

أي أنّ النظر والتعارف يساهمان في إيجاد الألفة والانسجام بين الزوجين. وفي حديث آخر رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رجلاً خطب امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها، فإنّ في أعين الأنصار شيئاً»، يعني صغراً. فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يتعرف على مخطوبته ويراها قبل أن يقدم على قرار الزواج، وهذا أصل عظيم في مشروعية التعارف المنضبط.

والمتأمل في حال كثير من الزيجات التي تنتهي بالطلاق المبكر يجد أنّ السبب الجذري في كثير منها هو غياب التعارف الحقيقي قبل الزواج. فيتفاجأ أحد الزوجين بطبائع الآخر وعاداته وطريقة تفكيره، فتقع الصدمة ويحدث الشقاق. ولهذا جعل الإسلام مرحلة التعارف مرحلة أساسية لا يمكن تجاوزها، وإن اختلفت أشكالها وصورها بين الثقافات والعصور.

ضوابط التعارف في الإسلام

وضع الإسلام ضوابط واضحة لمرحلة التعارف تحفظ كرامة الطرفين وتحقق المصلحة المرجوة دون الوقوع في المحاذير الشرعية. وأول هذه الضوابط هو صدق النية: فالتعارف المشروع لا يكون إلا بنية جادة نحو الزواج، لا بنية اللهو أو التسلية أو إضاعة الوقت. فمن تعرّف على امرأة بنية الزواج ثم تبيّن له عدم التوافق فلا حرج عليه في الانسحاب بأدب، أما من تعرّف بلا نية حقيقية فقد أساء واعتدى.

والضابط الثاني هو تجنب الخلوة المحرّمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» (رواه البخاري ومسلم). فالتعارف يكون بحضور محرم أو أحد أفراد الأسرة، أو في مكان عام مفتوح يأمن فيه الطرفان من الفتنة. وقد توسّع الفقهاء المعاصرون في مفهوم حضور المحرم ليشمل أي وسيلة تمنع الخلوة المحرّمة، كاللقاء في بيت الأسرة أو في مكان عام مرتاد.

والضابط الثالث هو الالتزام بالحشمة في الحديث والمظهر. فالتعارف لا يبيح التحدث بكلام فاحش أو إرسال صور غير لائقة أو الخوض في تفاصيل حميمية. بل يكون الحديث في إطار محترم يتناول القيم والتطلعات والرؤية المستقبلية. قال تعالى في شأن الحديث بين الجنسين:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾

(سورة الأحزاب: 32)

والضابط الرابع هو عدم إطالة فترة التعارف دون مبرر. فالتعارف وسيلة لا غاية، والمطلوب هو الوصول إلى قرار واضح بالقبول أو الرفض في وقت معقول. وإطالة الفترة دون تقدم نحو الخطبة قد يؤدي إلى تعلق عاطفي يصعب التراجع عنه، أو إلى تجاوز الحدود الشرعية بحكم طول العشرة. قال بعض الفقهاء إنّ المدة المناسبة للتعارف الأولي تتراوح بين بضعة أسابيع وبضعة أشهر بحسب الحاجة والظروف.

الأسئلة المهمة في مرحلة التعارف

من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المتعارفون هو الاكتفاء بالسطحيات والمظاهر دون الغوص في الأسئلة الجوهرية التي تكشف حقيقة التوافق. فالجمال يبهت والمال يزول، لكنّ القيم والأخلاق والرؤية المشتركة هي التي تبقى. ولذلك ينبغي أن يحرص كل طرف على طرح أسئلة عميقة تتعلق بعدة محاور أساسية.

المحور الديني والقيمي: وهو الأهم، ويشمل مستوى الالتزام الديني ونوعيته، والموقف من الصلاة والصيام والعبادات، والرؤية لتطبيق الشريعة في الحياة اليومية، والموقف من المسائل الخلافية، وطبيعة العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. فالتوافق الديني هو الأساس الذي بنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم اختيار الشريك حين قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» (رواه البخاري ومسلم).

المحور الأسري: ويتضمن الرؤية لتوزيع الأدوار بين الزوجين، والموقف من عمل المرأة خارج البيت، وطريقة تربية الأبناء المتفق عليها، والعلاقة مع أهل الزوج والزوجة بعد الزواج، وعدد الأبناء المرغوب فيه، والموقف من السكن المستقل أو مع الأهل. هذه المسائل تبدو بديهية لكنها سبب كثير من الخلافات الزوجية حين لا تُناقش قبل الزواج.

المحور المالي: ويشمل التوقعات المادية ومستوى المعيشة المطلوب، والموقف من الادخار والإنفاق، ومن يتحمل مسؤولية النفقة، وهل تشارك المرأة في المصاريف أم لا، والديون إن وُجدت، والتخطيط المالي للمستقبل. قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين إنّ من حكمة التعارف أن يعرف كل طرف حقيقة أحوال الآخر المادية دون مبالغة أو تزييف.

المحور النفسي والشخصي: ويتناول طريقة التعامل مع الغضب والضغوط، والأمراض النفسية أو الجسدية إن وُجدت، والعادات اليومية والهوايات، وطبيعة الشخصية بين الانطوائية والانبساطية، والقدرة على التواصل والتعبير عن المشاعر. فكثير من المشكلات الزوجية تنشأ من اختلاف الأنماط الشخصية الذي لم يُكتشف في مرحلة التعارف.

التعارف عبر الإنترنت: الحكم والضوابط

مع انتشار التقنية الحديثة وتغيّر أنماط الحياة الاجتماعية، أصبح التعارف عبر الإنترنت واقعاً لا يمكن تجاهله. وقد تناول العلماء المعاصرون هذه المسألة بالبحث والدراسة، فأجاز أكثرهم استخدام الوسائل الإلكترونية في التعارف بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية ذاتها التي تحكم التعارف التقليدي. فالوسيلة في ذاتها مباحة ومحايدة، والحكم يتعلق بكيفية استخدامها والنية من ورائها.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة مواقع وتطبيقات متخصصة في الزواج الإسلامي تلتزم بالضوابط الشرعية وتوفر بيئة آمنة ومحترمة للتعارف. ومن مميزات هذه المنصات أنها توسّع دائرة الاختيار خاصة لمن يعيشون في بلاد الغربة أو في مجتمعات صغيرة محدودة الخيارات. لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر ينبغي التنبه لها.

من أبرز ضوابط التعارف الإلكتروني: الصدق التام في المعلومات المقدمة سواء في الصور أو الأوصاف أو الحالة الاجتماعية والمادية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه» (رواه مسلم). فالكذب في التعارف خيانة للأمانة وظلم للطرف الآخر. ومنها أيضاً: تجنب المحادثات الخاصة المطولة بلا حاجة والتي تتحول إلى خلوة إلكترونية، وإشراك الأهل في مرحلة مبكرة، والانتقال إلى اللقاء الحقيقي بحضور المحرم في أقرب وقت ممكن.

ومن المخاطر التي يجب الحذر منها في التعارف الإلكتروني: الانخداع بالصورة الوهمية التي يقدمها الطرف الآخر عن نفسه، والتعلق العاطفي السريع قبل التحقق من جدية الشخص، والتعرض للاحتيال العاطفي أو المالي، وإضاعة الوقت في محادثات لا تنتهي إلى نتيجة. ولذلك نصح المختصون بالتحقق من هوية الشخص عبر وسطاء موثوقين، وعدم إرسال أموال أو معلومات شخصية حساسة، والحذر من من يرفض إشراك أسرته أو اللقاء الحقيقي.

دور الأهل والوسطاء في التعارف

يحتل الأهل والوسطاء مكانة مركزية في منظومة التعارف الإسلامي. فالزواج في الثقافة الإسلامية ليس مجرد علاقة بين شخصين، بل هو رابطة بين أسرتين تتشابك مصالحهما وعلاقاتهما. ولذلك أعطى الإسلام الأسرة دوراً محورياً في مرحلة التعارف والاختيار، مع الحفاظ على حق الفرد في القبول والرفض.

دور الأهل في التعارف يتمثل في عدة جوانب: أولها تقديم الخبرة والنصيحة، فالوالدان بحكم تجربتهما في الحياة يستطيعان رؤية ما لا يراه الشاب أو الشابة المنبهران بالعاطفة الأولى. وثانيها توفير بيئة آمنة ومحترمة للتعارف، إذ يكون اللقاء في بيت الأسرة أو بحضور المحرم أكثر طمأنينة وأقل فتنة. وثالثها المساعدة في السؤال والتحري عن الطرف الآخر وأسرته، إذ قد لا يستطيع الشخص بمفرده الوصول إلى معلومات دقيقة عن سمعة الأسرة وأخلاقها.

أما الوسطاء الموثوقون فيقومون بدور الجسر بين الأسرتين، خاصة حين لا تكون هناك معرفة سابقة بينهما. والوسيط قد يكون قريباً مشتركاً، أو عالماً من أهل المسجد، أو صديقاً موثوقاً يعرف الطرفين. وقد كان هذا الدور معروفاً في التراث الإسلامي، فقد قامت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بإرسال نفيسة بنت منية لتعرض الزواج على النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عنها، وهذا نموذج نبوي في استخدام الوساطة المحترمة.

لكن ينبغي التأكيد على أنّ دور الأهل يجب أن يكون استشارياً داعماً لا قسرياً مستبداً. فلا يحق للولي أن يُجبر ابنته على الزواج ممن لا تريده، ولا أن يمنعها من الزواج ممن ترضاه ما دام كفؤاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لا تُنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن»

(رواه البخاري ومسلم)

فالقرار النهائي يبقى للشخص المعني بالزواج، والحكمة تكمن في الجمع بين الاستفادة من خبرة الأهل وحقّ الفرد في تقرير مصيره. والتوازن بين الاحترام والاستقلالية هو مفتاح النجاح في هذه المرحلة الدقيقة.

علامات النية الصادقة وعلامات التلاعب

من الحكمة الضرورية في مرحلة التعارف أن يعرف الإنسان كيف يميّز بين النية الصادقة والتلاعب العاطفي. فليس كل من أظهر الاهتمام صادقاً في نيته، وليس كل من تكلم بالدين يعمل به. والفراسة في هذا الباب من أهم ما يحتاجه المقبل على الزواج.

من علامات صدق النية في التعارف: الحرص على إشراك الأهل في مرحلة مبكرة وعدم الاختباء خلف السرية المطلقة، والسؤال عن أمور جوهرية تتعلق بالمستقبل والقيم والتوافق لا التركيز على المظاهر وحدها، والاستعداد للالتزام بجدول زمني واضح ومعقول للتقدم نحو الخطبة والزواج، والشفافية في الحديث عن النفس والأوضاع الحياتية بلا تزييف ولا مبالغة، واحترام الحدود الشرعية في التعامل وعدم محاولة تجاوزها.

أما علامات التلاعب وعدم الجدية فتشمل: التسويف المستمر والهروب من الحديث عن مستقبل العلاقة ومراحلها، ورفض إشراك الأهل بحجج واهية وغير مقنعة، والتركيز المفرط على الجانب العاطفي والمشاعر دون الحديث عن الالتزام الحقيقي، وعدم الوضوح بشأن الحالة الاجتماعية أو المادية أو الأسرية، ومحاولة تجاوز الحدود الشرعية والضغط على الطرف الآخر بحجة إثبات الحب، والتناقض بين الأقوال والأفعال.

قال الحسن البصري رحمه الله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل». وكذلك النية الصادقة في الزواج ليست بالكلمات المعسولة والوعود البراقة، بل بالأفعال المتسقة والخطوات الواضحة. فإن رأيت من الطرف الآخر توافقاً بين ما يقوله وما يفعله، واحتراماً للحدود الشرعية، وحرصاً على التقدم الجاد نحو الارتباط، فهذه دلائل صدق. وإن رأيت تناقضاً ومراوغة وتسويفاً فكن حذراً وفقهك الله.

الحدود الشرعية في فترة التعارف

من أهم ما ينبغي التنبه إليه في مرحلة التعارف هو الالتزام بالحدود الشرعية التي وضعها الإسلام صيانة للنفس والعرض. فمرحلة التعارف ليست مرحلة حلّ وإباحة، بل هي مرحلة اختبار وتقييم تحكمها ذات الضوابط التي تحكم العلاقة بين الأجانب مع بعض التيسيرات المحدودة.

أباح الإسلام في مرحلة التعارف النظر إلى المخطوبة لرؤية ما يدعو إلى نكاحها. واختلف الفقهاء في حدود هذا النظر: فالجمهور أجازوا النظر إلى الوجه والكفين باعتبارهما يدلان على الجمال والصحة، وتوسع بعض الحنابلة فأجازوا النظر إلى ما يظهر عادة كالشعر والعنق والساقين. والراجح أنّ المقصود هو رؤية ما يحقق الغرض من التعارف وهو الاطمئنان والألفة، دون تحويل الأمر إلى استعراض مخلّ بالحياء.

ومما يحرم في مرحلة التعارف: الخلوة المحرمة كما تقدم، والمصافحة باليد عند جمهور الفقهاء، والحديث الفاحش أو ذو الإيحاءات، وتبادل الصور غير اللائقة، واللقاء في أماكن مغلقة بلا محرم. قال الإمام النووي رحمه الله: «ينبغي أن يكون النظر قبل الخطبة حتى إذا رآها ولم تعجبه تركها من غير إيذاء». أي أنّ النظر يكون بإذن وعلم من المرأة وأهلها، وبطريقة تحفظ الكرامة.

وقد سُئل العلامة ابن باز رحمه الله عن حدود التعامل في فترة ما قبل عقد النكاح فقال ما معناه إنّ المرأة تبقى أجنبية عن الرجل حتى يُعقد النكاح، وكل ما أُبيح له هو النظر إليها بنية الخطبة والحديث معها بحضور محرم في ما يخص أمر الزواج. فلا يجوز له الخلوة بها ولا السفر معها ولا اللقاء بلا محرم. وهذا الانضباط ليس تضييقاً بل هو حماية للطرفين ولمستقبل العلاقة من أن تبدأ ببذرة فاسدة.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾

(سورة الإسراء: 32)

فالآية لم تقل «لا تزنوا» بل قالت «لا تقربوا»، أي ابتعدوا عن كل ما يقرّب من الفاحشة ويمهّد الطريق إليها. والحدود الشرعية في مرحلة التعارف هي من باب سدّ الذرائع وحماية الإنسان من الوقوع فيما لا تُحمد عقباه. فمن حافظ على هذه الحدود بارك الله له في زواجه وأسعده.

خاتمة: التعارف طريق البركة

إنّ مرحلة التعارف حين تُدار بالحكمة والوعي والالتزام الشرعي تصبح طريقاً إلى البركة في الحياة الزوجية. فهي الفرصة التي يتعرف فيها كل طرف على الآخر معرفة حقيقية، ويقيّم مدى التوافق بينهما في القيم والتطلعات والشخصية، ويتخذ قراره عن بيّنة وبصيرة لا عن جهل وعماء.

والتعارف المبارك هو الذي يجمع بين عدة عناصر: صدق النية نحو الزواج منذ اللحظة الأولى، والتزام الضوابط الشرعية في كل مراحله، وإشراك الأهل والاستفادة من خبرتهم، والتركيز على الجوهر لا المظهر، والصراحة والشفافية في طرح الأسئلة المهمة، والدعاء والاستخارة والتوكل على الله. فمن جمع بين هذه العناصر فقد أخذ بأسباب التوفيق وبقي عليه أن يتوكل على الله ويثق في اختياره.

وختاماً نقول لكل شاب وشابة مقبلين على مرحلة التعارف: لا تستعجلوا ولا تتأخروا، بل اعتدلوا واستعينوا بالله. اسألوا واستفسروا ولا تستحيوا من ذلك، فالحياء في غير محله قد يورث ندامة طويلة. واعلموا أنّ التعارف الناجح لا يعني بالضرورة أن ينتهي بالزواج، فقد يكتشف أحد الطرفين أو كلاهما عدم التوافق وهذا أمر طبيعي ومحمود، خير من أن يُكتشف بعد الزواج. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(سورة الحجرات: 13)

فالتعارف سنة كونية جعلها الله في طبيعة البشر، والتقوى هي المعيار الحقيقي للكرامة والأفضلية. فليكن تعارفكم مبنياً على تقوى الله واحترام حدوده، وثقوا أنّ من اتقى الله جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب. نسأل الله أن يبارك في خطوات كل مقبل على التعارف المشروع، وأن يرزق كل باحث عن شريك الحياة الزوج الصالح والزوجة الصالحة التي تُسعده في الدنيا وتنفعه في الآخرة.

«اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما» - رسول الله صلى الله عليه وسلم

أسئلة شائعة عن التعارف الشرعي

هل يجوز التعارف بين الرجل والمرأة قبل الخطبة في الإسلام؟

+

نعم، الإسلام أباح التعارف المشروع بين المقبلين على الزواج ضمن ضوابط واضحة. أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى المخطوبة حين قال للمغيرة بن شعبة: «اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (رواه الترمذي والنسائي). والتعارف المشروع يكون بحضور محرم أو في مكان عام، ويهدف إلى تقييم التوافق والتفاهم، لا إلى بناء علاقة عاطفية بلا غاية شرعية. والأصل أن تكون النية صادقة نحو الزواج منذ البداية.

ما الأسئلة المهمة التي يجب طرحها في مرحلة التعارف؟

+

ينبغي أن تشمل الأسئلة عدة محاور أساسية: الرؤية الدينية ومستوى الالتزام والتطلعات الروحية، والرؤية لأدوار الزوجين وتوزيع المسؤوليات، والموقف من تربية الأبناء وأساليبها، والطموحات المهنية والحياتية، والعلاقة مع الأهل بعد الزواج، وطريقة التعامل مع الخلافات والمشكلات، والوضع المادي والتوقعات المالية. هذه الأسئلة تكشف مدى التوافق الحقيقي بين الطرفين وتقلل احتمالات الصدمة بعد الزواج.

ما حكم التعارف عبر الإنترنت ومواقع الزواج الإسلامية؟

+

أجاز كثير من العلماء المعاصرين استخدام وسائل التواصل الحديثة ومواقع الزواج الموثوقة كوسيلة للتعارف بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية. وتشمل هذه الضوابط: صدق النية نحو الزواج، والصدق في المعلومات المقدمة، وتجنب الخلوة الإلكترونية المطولة بلا هدف، وإشراك الأهل في مرحلة مبكرة، والانتقال إلى اللقاء الرسمي بحضور المحرم في أقرب وقت ممكن. الوسيلة في ذاتها مباحة، والحكم يتعلق بكيفية الاستخدام والنية.

كيف أعرف أن الطرف الآخر صادق النية في التعارف؟

+

هناك علامات تدل على صدق النية منها: الحرص على إشراك الأهل مبكراً، والسؤال عن أمور جوهرية تتعلق بمستقبل الأسرة لا المظاهر فقط، والاستعداد للالتزام بجدول زمني واضح للخطبة والزواج، والشفافية في الحديث عن النفس والأوضاع الحياتية، واحترام الحدود الشرعية وعدم محاولة تجاوزها. أما علامات عدم الجدية فتشمل: التسويف المتكرر، ورفض إشراك الأهل، والتركيز على الجانب العاطفي فقط، وعدم الوضوح بشأن المستقبل.

ما دور الأهل والوسطاء في مرحلة التعارف؟

+

للأهل والوسطاء دور محوري في مرحلة التعارف الشرعي. فالأسرة تقدم خبرتها في تقييم الشريك المحتمل وأسرته، وتوفر بيئة آمنة ومحترمة للتعارف، وتساعد في التفاوض حول الشروط والتوقعات. أما الوسطاء الموثوقون من أقارب أو علماء أو مختصين فيسهلون التواصل بين الأسرتين ويقدمون رأياً موضوعياً. لكن دور الأهل ينبغي أن يكون استشارياً داعماً لا قسرياً، فالقرار النهائي للشخص نفسه كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر».

صفحات ذات صلة