الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي هذا المقال نتتبع واحدة من أهم التحولات في تاريخ مفهوم الحب — الانتقال من التصور الجاهلي إلى التصور الإسلامي — وكيف أنّ الإسلام لم يُلغِ الموروث العربي في الحب بل هذّبه وأضاف إليه أبعاداً روحية وأخلاقية جديدة.
الحب الجاهلي: جذور عميقة في التربة العربية
قبل الإسلام، كان الحب عند العرب تجربة إنسانية غنية ومتنوعة لكنها افتقرت إلى إطار أخلاقي موحد. فمن جهة كان هناك الغزل العفيف الذي يحترم المرأة ويُعلي من شأن الوفاء، ومن جهة أخرى كان هناك الغزل الصريح الذي لا يراعي حرمة المرأة. ومن جهة كان هناك زواج قائم على الرضا والمحبة، ومن جهة أخرى كان هناك ظلم للمرأة وتعامل معها كسلعة.
هذا التناقض كان يعكس غياب منظومة قيمية شاملة تحكم العلاقات العاطفية وتحمي الطرف الأضعف فيها. كان لكل قبيلة أعرافها الخاصة، وما يُعتبر مقبولاً في قبيلة قد يكون مرفوضاً في أخرى. وكان الحب في أفضل حالاته شعوراً فردياً جميلاً، وفي أسوأ حالاته أداة للاستغلال والظلم.
المودة والرحمة: البُعد القرآني للحب
جاء الإسلام بتصور جديد وشامل للحب تجلّى في الآية الكريمة: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم: 21). هذه الآية أحدثت نقلة نوعية في مفهوم الحب عند العرب: فالحب لم يعد مجرد عاطفة فطرية أو تجربة فردية، بل أصبح آية من آيات الله — علامة على عظمة الخالق وحكمته.
أضاف القرآن الكريم إلى مفهوم الحب ثلاثة أبعاد جديدة: السكينة — وهي الطمأنينة والراحة النفسية التي يجدها كل طرف عند الآخر، والمودة — وهي الحب الصافي القائم على الاحترام المتبادل، والرحمة — وهي العطف والرفق والتجاوز عن الأخطاء. هذا الثلاثي القرآني رسم صورة متكاملة للحب الزوجي لم يعرفها العرب في جاهليتهم.
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً»
— سورة الروم، الآية 21
النموذج النبوي: الحب في أبهى صوره
قدّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم نموذجاً حياً للحب الزوجي الذي يجمع بين العاطفة الصادقة والاحترام العميق. حبه للسيدة خديجة رضي الله عنها كان عميقاً ودائماً — فقد ظلّ يذكرها بالخير ويبكي عليها سنوات طويلة بعد وفاتها. وحين سُئل عن حبه لعائشة رضي الله عنها لم يتردد في الإعلان عنه.
هذا الإعلان النبوي عن الحب كان ثورة ثقافية في مجتمع كان يرى أنّ الرجل القوي لا يُظهر ضعفه العاطفي. فالنبي صلى الله عليه وسلم — وهو قائد الأمة ومثلها الأعلى — كان يسابق عائشة ويمازحها ويشرب من الموضع الذي تشرب منه. هذه التفاصيل الصغيرة التي رواها الصحابة كشفت للعرب أنّ الحب بين الزوجين ليس ضعفاً بل هو قوة وسُنّة نبوية.
الحب العُذري: ثمرة التلاقح بين الجاهلية والإسلام
من أجمل نتائج التلاقح بين الموروث الجاهلي والقيم الإسلامية نشوء تقليد الحب العُذري في القرن الأول الهجري. هذا التقليد — المنسوب إلى قبيلة بني عُذرة — يقوم على الحب العفيف الصادق الذي لا ينتهك حرمات ولا يتجاوز حدوداً. العاشق العُذري يُحب محبوبة واحدة طوال حياته، ويكتفي بالنظر إليها من بعيد أو بذكرها في شعره.
أنتج هذا التقليد بعض أجمل قصص الحب في التاريخ العربي: قيس وليلى (مجنون ليلى)، وجميل وبثينة، وكُثيّر وعزة. هؤلاء الشعراء جمعوا بين بلاغة الغزل الجاهلي وعفة القيم الإسلامية، فأنتجوا شعراً يمسّ القلب بصدقه وينال الإعجاب بعفته. الحب العُذري هو دليل حي على أنّ الإسلام لم يقتل الشعر والعاطفة بل هذّبهما وارتقى بهما.
حقوق المرأة: من الظلم إلى الكرامة
من أبرز التحولات التي أحدثها الإسلام في مفهوم الحب هو رفع مكانة المرأة من شريك مُستَضعف أحياناً إلى شريك مكرَّم له حقوق واضحة. فالإسلام حرّم وأد البنات وجعله من كبائر الذنوب، وأوجب رضا المرأة في الزواج، وجعل المهر حقاً لها لا لأبيها، وأعطاها حق طلب الطلاق (الخلع) إذا ساءت المعاملة.
كما وصف القرآن الكريم العلاقة بين الزوجين بأنهما «لباس» لبعضهما: «هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ» (البقرة: 187). هذا التشبيه البليغ يؤسس لعلاقة قائمة على الحماية المتبادلة والستر والدفء والقرب، بدلاً من علاقة السيد والمسود التي كانت سائدة في بعض التقاليد الجاهلية.
الحب الإلهي: البُعد الصوفي
فتح الإسلام باباً جديداً لم يعرفه العرب في جاهليتهم: الحب الإلهي. فالقرآن الكريم يصف الله بأنه «الودود» ويتحدث عن حب الله لعباده وحب العباد لله. هذا البُعد الروحي ألهم المتصوفين المسلمين لاحقاً لتطوير فلسفة عميقة في الحب الإلهي، حيث أصبح الحب البشري مرآة للحب الإلهي وطريقاً للوصول إلى الحقيقة الكبرى.
شعراء مثل رابعة العدوية وابن عربي وجلال الدين الرومي وابن الفارض حوّلوا رموز الغزل الجاهلي — الأطلال والليل والشوق والفراق — إلى رموز صوفية للبحث عن الله والشوق إلى لقائه. هكذا أكملت الرحلة دورتها: من الحب الأرضي في الجاهلية، إلى الحب المهذّب في الإسلام، إلى الحب الإلهي في التصوف.
خاتمة: يكشف الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام عن حقيقة عميقة: أنّ الحب رحلة إنسانية متصلة، وكل عصر يُضيف إليها حكمته وتجربته. فالعرب في جاهليتهم أبدعوا في التعبير عن الحب بالشعر والفن، وجاء الإسلام فأضاف إلى هذا الإبداع إطاراً أخلاقياً وروحياً رفع الحب من عاطفة فطرية إلى قيمة إلهية. هذه الرحلة لم تنتهِ، بل استمرت في الحب العُذري والتصوف الإسلامي والحب في القرآن الكريم، لتبقى شاهدة على أنّ البشرية تتقدم دائماً نحو فهم أعمق وأنبل للحب.
