الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. لكن قلّما تحوّل الحب إلى صرح معماري يقف شامخاً أربعة قرون كاملة يشهد للعالم أنّ قلباً أحبّ حتى الخلود. هذا بالضبط ما فعله شاه جهان — الإمبراطور المغولي المسلم — حين بنى تاج محل لزوجته الحبيبة ممتاز محل.
قصة الحب: الأمير والأميرة
في عام 1607 ميلادية، كان الأمير الشاب خرّم — الذي سيعرفه التاريخ لاحقاً باسم شاه جهان — يتجوّل في أحد الأسواق الملكية في أغرا حين وقعت عيناه على فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تبيع الحرير والأحجار الكريمة. كانت أرجمند بانو بيغم — حفيدة الوزير الأعظم — ذات جمال أخّاذ وذكاء حاد وأدب رفيع. وقع الأمير في حبها من النظرة الأولى.
انتظر الأمير خمس سنوات حتى تزوجها عام 1612م، ومنحها لقب «ممتاز محل» أي «جوهرة القصر» — وهو اللقب الذي ستحمله إلى الأبد. لم تكن ممتاز محل مجرد زوجة جميلة بل كانت شريكته الحقيقية في كل شيء: رافقته في حملاته العسكرية، وشاركته قراراته السياسية، وكان يستشيرها في أمور الدولة ويثق برأيها ثقة مطلقة. بل إنّه أعطاها ختمه الإمبراطوري — وهو أعلى رمز للسلطة — دلالة على ثقته المطلقة بها.
الفراق: ليلة حزن غيّرت التاريخ
في عام 1631م، وأثناء مرافقتها لشاه جهان في حملة عسكرية في بورهانبور، توفيت ممتاز محل وهي تضع طفلهما الرابع عشر. كان عمرها ثمانية وثلاثين عاماً. يروي المؤرخون أنّ شاه جهان غرق في حزن لا قاع له. قيل إنّ شعره شاب في ليلة واحدة، وامتنع عن لبس الثياب الفاخرة والاستماع إلى الموسيقى والاحتفال بأي مناسبة لمدة عامين كاملين.
لكنّ حزن شاه جهان لم يكن حزناً عادياً يطويه الزمن. كان حزناً خلّاقاً مبدعاً تحوّل إلى طاقة هائلة لبناء أعظم نصب تذكاري عرفه التاريخ. قرّر الإمبراطور أن يبني لممتاز محل ضريحاً لا مثيل له — ضريحاً يعكس عظمة حبّه ويخلّد ذكراها إلى أبد الآبدين. وهكذا وُلدت فكرة تاج محل.
«لقد بنيتُ لها ما لم يبنِه عاشق لمعشوقة... دمعة من الرخام الأبيض على خدّ الزمن»
— وصف شعري لتاج محل
البناء: تحفة العمارة الإسلامية
بدأ بناء تاج محل عام 1632م واستمر نحو اثنين وعشرين عاماً. جمع شاه جهان أمهر المعماريين والحرفيين من أنحاء العالم الإسلامي — من إيران والعراق وتركيا ومصر والهند — ليبنوا صرحاً لا نظير له. يُنسب التصميم الرئيسي إلى المعماري الفارسي أوستاد أحمد لاهوري، لكنّ البناء كان عملاً جماعياً ضخماً شارك فيه نحو عشرين ألف عامل.
اختار شاه جهان الرخام الأبيض الناصع من محاجر ماكرانا في راجستان ليكون المادة الأساسية للبناء. ولكنّ عبقرية تاج محل لا تكمن في الرخام وحده بل في التطعيم المذهل: رُصِّع الرخام بأحجار كريمة وشبه كريمة من مختلف أنحاء العالم — اللازورد الأزرق من أفغانستان، واليشم من الصين، والياقوت من سريلانكا، والعقيق من اليمن، والفيروز من إيران — لتشكّل زخارف نباتية وهندسية بالغة الدقة والجمال.
الروح الإسلامية: القرآن على جدران الحب
تاج محل ليس مجرد صرح معماري جميل بل هو تحفة إسلامية تتخلل كل تفاصيلها الروحانية الإسلامية. على بوابته الرئيسية وعلى جدران الضريح نُقشت آيات من القرآن الكريم بخط الثلث الرائع — وهو أجمل أنواع الخط العربي. ومن أبرز السور المنقوشة: سورة يس (قلب القرآن)، وسورة الملك، وسورة الفجر، وآيات عن الجنة والبعث والحياة الآخرة.
حدائق تاج محل مصممة على نمط «الچهار باغ» — الحديقة الإسلامية الرباعية التي ترمز إلى الجنة كما وصفها القرآن الكريم. أربع حدائق متناظرة تفصلها قنوات ماء ترمز إلى أنهار الجنة الأربعة: من ماء وعسل ولبن وخمر. نوافير الماء تعكس صورة القبة البيضاء في مشهد يستحضر جمال الجنة الموعودة. والمآذن الأربع التي تحيط بالضريح تشبه مآذن المساجد وتؤكد الهوية الإسلامية للمبنى.
سحر الضوء: المبنى الذي يتغيّر لونه
من أكثر ما يدهش الزوار في تاج محل أنّه يتغيّر لونه مع تغيّر الضوء على مدار اليوم. في ساعات الفجر الأولى يبدو وردياً رقيقاً كأنه يستيقظ من حلم. في ضوء الظهيرة يتألق بياضاً ناصعاً يكاد يبهر العيون. عند الغروب يتحوّل إلى ذهبي دافئ كأنه يلبس ثوب المساء. وتحت ضوء القمر يتوهّج فضياً أثيرياً كأنه حلم معلّق بين الأرض والسماء.
هذا التغيّر ليس مصادفة بل نتيجة عبقرية المعماريين المسلمين الذين اختاروا نوعاً خاصاً من الرخام الأبيض شبه الشفاف الذي يمتص الضوء ويعكسه بطرق مختلفة. وقد رأى بعض الشعراء في هذا التحوّل رمزاً لطبيعة الحب ذاته: فالحب ليس شعوراً ثابتاً بل هو حيّ متجدد يتلوّن بألوان اللحظة — أحياناً يكون هادئاً وأحياناً متوهجاً وأحياناً حالماً.
الخاتمة المؤلمة: سجين ينظر إلى حبّه
في أواخر حياته، خُلع شاه جهان عن العرش على يد ابنه أورنغزيب وسُجن في قلعة أغرا. قضى سنواته الثماني الأخيرة سجيناً في غرفة تطلّ على تاج محل — ينظر عبر النافذة إلى الضريح الأبيض الذي بناه لحبيبته ويبكيها كل يوم. يروي المؤرخون أنّه كان يتأمل تاج محل ساعات طويلة، وأنّ عينيه ضعفتا في آخر أيامه فكان ينظر إلى انعكاس تاج محل في جوهرة يحملها في يده.
توفي شاه جهان عام 1666م ودُفن إلى جانب ممتاز محل في تاج محل — ليجتمع الحبيبان أخيراً إلى الأبد تحت القبة البيضاء التي بناها حبّه. قبراهما المتجاوران في قلب الضريح يرمزان إلى أنّ الموت لا يقدر على التفريق بين من أحبّا بصدق.
خاتمة: تاج محل هو أبلغ شهادة على أنّ الحب الحقيقي يتجاوز الموت ويخلّد صاحبه. بناه إمبراطور مسلم بروح إسلامية خالصة — فنقش على جدرانه آيات القرآن الكريم، وصمّم حدائقه على صورة الجنة، وجعل من الرخام الأبيض دعاءً صامتاً بأن يجمعه الله بحبيبته في الآخرة. إنّ المودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين — كما جاء في القرآن: «وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» — تجلّت في تاج محل بأروع صورها. وكما قال الصوفيون: الحب الحقيقي لا يفنى، لأنه من جوهر الروح لا من مادة الجسد.
