🕌

الغيرة في الإسلام

حكمها وأنواعها وضوابطها الشرعية في ضوء القرآن والسنة وأقوال العلماء

☪️

مفهوم الغيرة في الإسلام وأهميتها

الغيرة في الإسلام ليست مجرد عاطفة بشرية عابرة، بل هي خُلق فطري أقرّه الشرع الحنيف وجعله من علامات الإيمان الصادق والمروءة الكاملة. وقد اهتم الإسلام بالغيرة اهتمامًا بالغًا، فميّز بين أنواعها، وبيّن أحكامها، ووضع لها ضوابط تحفظ كرامة الإنسان وتصون العلاقات من الفساد والانحلال. فالغيرة في حقيقتها طاقة إيمانية تحمل صاحبها على حماية ما يحب من أن تمتد إليه أيدي العابثين أو تطاله أعين الخائنين.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «روضة المحبين»: إن الغيرة أصلها من محبة الشيء وإرادة الاستئثار به، فمن أحبّ شيئًا غار عليه، ومن لم يغر فليس في قلبه محبة حقيقية. وهذا يعني أن الغيرة المعتدلة دليل على صدق المحبة وعمق التعلق، وأن انعدامها قد يكون علامة على خواء القلب وبرودة العاطفة.

والإسلام بتشريعاته الحكيمة لم يُلغِ هذه الفطرة ولم يُحاربها، بل هذّبها وضبطها ووجّهها الوجهة الصحيحة التي تُعمّر البيوت ولا تُخرّبها، وتُقوّي الروابط ولا تُفكّكها. فجعل من الغيرة سياجًا يحمي الأسرة المسلمة من كل ما يُهدد استقرارها، شريطة أن تبقى في إطارها المشروع ولا تتحول إلى أداة للظلم والاستبداد والشك المرضي الذي يُسمّم الحياة الزوجية.

غيرة الله تعالى: صفة الكمال الإلهي

من أعظم ما يُبيّن مكانة الغيرة في الإسلام أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالغيرة، وهي صفة كمال تليق بجلاله وعظمته، لا تُشبه غيرة المخلوقين في شيء. فغيرة الله تعالى تعني أنه سبحانه يكره أن يقع عباده في المعاصي والمحرمات، وأنه يُبغض أن تُنتهك حرماته التي حدّها لعباده. وهذا المعنى العظيم يُجسّد رحمة الله بعباده، فهو سبحانه لم يُحرّم شيئًا إلا لحكمة بالغة ومصلحة عظيمة.

قال النبي ﷺ: ❝إنَّ اللهَ يَغارُ، وغَيرةُ اللهِ أن يَأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ اللهُ عليه❞

رواه البخاري ومسلم

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: غيرة الله على عباده المؤمنين من أعظم صفات كماله، فهو سبحانه أغير من كل غيور، ولذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فمن انتهك محارم الله فقد تعرّض لغيرة الجبار سبحانه. وهذا يُبيّن أن الغيرة في أصلها صفة كمال لا نقص، وأنها إذا كانت في موضعها الصحيح كانت من أجلّ الأخلاق وأرفعها.

وقد ربط الله تعالى بين الغيرة وتحريم الفواحش في كتابه العزيز، فقال سبحانه:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾

سورة الأنعام - الآية 151

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»: إن الله تعالى لما نهى عن الفواحش كلها ظاهرها وباطنها، دلّ ذلك على أن الغيرة على المحارم أصل من أصول الدين، وأن المؤمن الحقيقي هو الذي يغار على حرمات الله كما يغار على عرضه وأهله. فالغيرة الإلهية إذن هي الأصل الذي تتفرع منه غيرة المؤمنين، وهي المعيار الذي يقيسون عليه غيرتهم.

غيرة النبي ﷺ وأصحابه: نماذج خالدة

كان النبي ﷺ أكمل الناس خُلقًا وأعدلهم في كل شيء، ومن ذلك غيرته الشريفة التي كانت نموذجًا للاعتدال والحكمة. فقد كان ﷺ يغار من غير إسراف ولا تعسّف، ويُعبّر عن غيرته بأسلوب يحفظ كرامة أزواجه ولا يجرح مشاعرهن. بل إنه ﷺ كان يُقرّ غيرة نسائه ويتعامل معها برحمة ولطف وحلم عظيم، ما يدل على أنه كان يفهم طبيعة هذه العاطفة الفطرية ولا يُنكرها.

قال النبي ﷺ: ❝الغَيرةُ مِنَ الإيمانِ، والمِذاءُ مِنَ النِّفاقِ❞

رواه البزار وحسّنه بعض أهل العلم

ومن أروع النماذج النبوية في الغيرة قصة سعد بن عبادة رضي الله عنه الذي قال: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غير مُصفَح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني». فهذا الحديث العظيم يُثبت أن الغيرة صفة يتفاوت فيها الناس، وأن النبي ﷺ كان أعظم الناس غيرة، لكنها غيرة معتدلة منضبطة بضوابط الشرع.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يغارون غيرة عظيمة على نسائهم ومحارمهم. فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان شديد الغيرة، وكانت غيرته تنبع من إيمانه العميق وحرصه على حفظ حدود الله. وكذلك كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيرهم من كبار الصحابة، فكانت غيرتهم مضرب المثل في التوازن بين الحماية والثقة، وبين الحزم والرحمة.

ومما يُروى في هذا الباب أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تغار من أمهات المؤمنين، وخاصة من السيدة خديجة رضي الله عنها، لكثرة ذكر النبي ﷺ لها وثنائه عليها. فكان ﷺ يتعامل مع غيرة عائشة بحكمة بالغة، يُقرّها على أصل الغيرة لأنها دليل محبة، ويُهذّبها إن تجاوزت الحد بلطف ورفق دون قسوة أو تعنيف.

الغيرة المحمودة: متى تكون خيرًا وبركة؟

الغيرة المحمودة في الإسلام هي تلك الغيرة التي تكون في موضعها الصحيح، ولأسباب مشروعة، وبقدر معتدل لا يتجاوز الحدود الشرعية. وهي الغيرة التي يُحبها الله تعالى ورسوله ﷺ، لأنها تحمي الأسرة من الانحراف وتصون الأعراض من العبث وتحفظ المجتمع من الفساد. وقد حدّد العلماء عدة صور للغيرة المحمودة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم والمسلمة.

قال النبي ﷺ: ❝إنَّ مِنَ الغَيرةِ ما يُحبُّ اللهُ، ومنها ما يُبغضُ اللهُ، فأمَّا الغَيرةُ التي يُحبُّها اللهُ فالغَيرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا الغَيرةُ التي يُبغضُها اللهُ فالغَيرةُ في غيرِ رِيبةٍ❞

رواه أبو داود والنسائي وأحمد

فمن صور الغيرة المحمودة: غيرة الرجل على زوجته وبناته وأخواته من التعرض لما يخدش حياءهن أو يمس شرفهن، وغيرته من أن يخلو بهن أجنبي أو يطّلع عليهن من لا يحل له ذلك. وكذلك غيرة المرأة على زوجها أن يقع في الحرام أو ينظر إلى ما لا يحل له، فهذه غيرة مشروعة تدل على صدق المحبة وعمق الوفاء.

قال الإمام الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين»: الغيرة المحمودة هي التي تكون سببًا في حراسة الفرج وصون العرض، وهي من لوازم الإيمان الكامل. فالمؤمن الحق يغار على محارمه كما يغار على دينه، ولا يرضى أن تُنتهك حرمة من حرماته. والغيرة إذا كانت بقدرها ولأسبابها المشروعة كانت من أجمل أخلاق المؤمنين وأرفع صفاتهم.

ومن الغيرة المحمودة أيضًا: الغيرة على دين الله ومحارمه، وهي التي تحمل المسلم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذا النوع من الغيرة هو الذي حمل الأنبياء والصالحين على تحمّل المشاق في سبيل إقامة دين الله وحماية شريعته من التحريف والتبديل. فالغيرة المحمودة في جوهرها هي طاقة إيمانية تدفع صاحبها نحو الخير وتمنعه من السكوت على الباطل.

الغيرة المذمومة: متى تصبح ذنبًا ومعصية؟

إذا كانت الغيرة المحمودة من أجلّ الأخلاق، فإن الغيرة المذمومة من أخطر الآفات التي تُدمّر العلاقات الزوجية وتُحطّم البيوت وتُشيع الظن السيئ والعداوة بين الناس. والغيرة المذمومة هي التي تتجاوز حدود الشرع والعقل، فيتحول صاحبها من إنسان محب حريص إلى إنسان شكّاك مُتسلّط يُحاصر شريكه بالاتهامات والمراقبة المرضية بلا دليل ولا برهان.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾

سورة الحجرات - الآية 12

قال ابن القيم رحمه الله في «الداء والدواء»: الغيرة المذمومة هي التي تكون في غير ريبة ولا موجب لها، فيتتبع الإنسان عورات أهله ويتجسس عليهم ويتهمهم بما ليس فيهم، وهذا من أعظم أسباب فساد الحياة الزوجية ونقض عقد المودة والرحمة الذي بناه الله بين الزوجين. فإن التجسس والشك بلا دليل يُولّد البغض والنفور، ويُحوّل البيت من واحة سكينة إلى ساحة صراع ومعاناة.

ومن صور الغيرة المذمومة: تفتيش هاتف الزوج أو الزوجة بلا إذن ولا سبب، والمراقبة الدائمة لتحركاته وعلاقاته، والاتهام بالخيانة عند كل تأخر أو غياب، ومنع الزوجة من زيارة أهلها أو التحدث مع أقاربها بلا مبرر شرعي. وكذلك من الغيرة المذمومة: المقارنة المستمرة بين الزوج وغيره من الرجال، أو التلميح بأن الزوج ليس كافيًا، فهذا كله من سوء الخلق الذي نهى عنه الإسلام.

وقد حذّر النبي ﷺ من هذا النوع من الغيرة المفسدة تحذيرًا شديدًا، وبيّن أنها من صفات المنافقين لا المؤمنين. فالمؤمن الحقيقي يُحسن الظن بزوجه ولا يتّبع العثرات ولا يتحرّى الزلات، بل يستر ويصفح ويبني علاقته على الثقة والمودة والرحمة التي جعلها الله أساسًا للحياة الزوجية السعيدة.

أقوال العلماء في الغيرة وأحكامها

أفاض علماء الإسلام في الحديث عن الغيرة وأنواعها وأحكامها، وتركوا لنا تراثًا عظيمًا يُنير الطريق لكل مسلم يريد أن يفهم هذه العاطفة الفطرية فهمًا صحيحًا شرعيًا. وقد اتفق العلماء على أن الغيرة في أصلها محمودة ما لم تتجاوز الحدود المشروعة، وأنها من علامات الإيمان والمروءة والكرامة.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: الغيرة المشروعة هي التي يكون باعثها الإيمان والخوف على المحارم، لا الكبر والتسلط والاستبداد. فمن غار لله ولدينه ولمحارمه فغيرته محمودة مباركة، ومن غار لنفسه وكبره وحب السيطرة فغيرته مذمومة مردودة. والفرق بين الغيرتين يظهر في ثمارهما: فالأولى تثمر السكينة والوفاق، والثانية تثمر الشقاق والفراق.

وقال الإمام الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين» في كتاب آداب النكاح: ينبغي للرجل أن يسلك مسلك الاعتدال في الغيرة، فلا يتغافل عما يجب التغافل عنه من الأمور التي لا ريبة فيها، ولا يُشدّد ويُبالغ في التنقيب والتفتيش فيما لا يستدعي ذلك. فإن التشديد يورث سوء الظن، وسوء الظن يورث التجسس، والتجسس يورث العداوة، والعداوة تهدم البيت وتُشتّت الأسرة.

وقال الإمام القرطبي رحمه الله: الغيرة من شيم العرب ومحاسن أخلاقهم، وقد جاء الإسلام فأقرّها وهذّبها، فأمر بالغيرة على المحارم ونهى عن الغيرة التي تدعو إلى التجسس وسوء الظن. وقد قسّم القرطبي الغيرة إلى واجبة ومستحبة ومكروهة ومحرمة، بحسب حالها وسببها والموقف الذي تكون فيه، وهذا يدل على دقة الفقه الإسلامي في معالجة هذه القضية.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

سورة الروم - الآية 21

وهذه الآية الكريمة تُبيّن أن الأصل في العلاقة الزوجية هو السكينة والمودة والرحمة، وأن كل ما يُخلّ بهذه الأسس الثلاثة فهو مخالف لمقاصد الشرع. فالغيرة التي تُحطّم السكينة وتُبدّد المودة وتُزيل الرحمة ليست من الإسلام في شيء، حتى لو تذرّع صاحبها بالغيرة على العرض والشرف. فالعبرة بالنتائج والثمار لا بالدعاوى والأقوال.

التوازن في الغيرة: المنهج الإسلامي الوسط

من أبرز خصائص الإسلام أنه دين الوسطية والاعتدال في كل شيء، والغيرة ليست استثناءً من هذه القاعدة العظيمة. فالإسلام لا يريد من المسلم أن يكون بلا غيرة كالديّوث الذي لا يبالي بما يجري في أهله، ولا يريد منه أن يكون مفرطًا في غيرته حتى يتحول إلى سجّان يُحاصر أهله ويخنق حريتهم المشروعة. بل يريد منه الوسط العدل الذي يحفظ ولا يُدمّر، ويحمي ولا يظلم.

قال ابن القيم رحمه الله كلامًا بديعًا في هذا المعنى حيث قال: أصلح الناس حالًا أوسطهم غيرةً، فهو لا يُهمل ولا يُبالغ، ولا يتغافل عن كل شيء ولا يتتبع كل شيء. وشبّه ذلك بالماء الذي إن قلّ جفّ الزرع، وإن كثر أغرقه، والخير في القصد والاعتدال. فالغيرة المعتدلة كالمطر النافع الذي يُحيي الأرض ويُنبت الزرع، والغيرة المفرطة كالسيل الجارف الذي يقتلع كل شيء في طريقه.

ومن وسائل تحقيق التوازن في الغيرة: حسن الظن بالزوج أو الزوجة ما لم يثبت خلاف ذلك بدليل واضح، فإن حسن الظن أصل من أصول التعامل بين المسلمين عمومًا وبين الزوجين خصوصًا. وكذلك الحوار الهادئ عند وجود ما يُقلق، بدلًا من الصراخ والاتهام والتفتيش السري. وأيضًا الدعاء والاستعانة بالله أن يحفظ البيت من كل سوء ويُبارك في العلاقة بين الزوجين.

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

سورة النساء - الآية 19

إن المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها تقتضي أن تكون الغيرة في إطار من الاحترام والتقدير، لا في إطار من الإذلال والإهانة. فالزوج الحكيم يُعبّر عن غيرته بكلمات الحب لا بكلمات التهديد، وبأفعال الحرص لا بأفعال القمع. والزوجة الحكيمة تفهم غيرة زوجها وتُقدّرها ولا تستفزّها عمدًا، بل تسعى لطمأنته وإشعاره بالأمان والاستقرار.

خلاصة: الغيرة المتوازنة سرّ البيت السعيد

إن الغيرة في الإسلام ليست عيبًا يُستحى منه ولا نقصًا يُخفى، بل هي فضيلة من فضائل الإيمان إذا كانت في موضعها الصحيح وبقدرها المعتدل. والمسلم الواعي هو الذي يفهم هذه العاطفة الفطرية في ضوء الكتاب والسنة وأقوال العلماء الربانيين، فيأخذ منها ما ينفعه ويدع ما يضرّه، ويجعلها أداة بناء لا معول هدم.

والبيت السعيد في الإسلام هو البيت الذي تسوده الثقة المتبادلة والغيرة المعتدلة والحوار البنّاء والاحترام المتبادل. فالزوجان كلاهما يغاران على بعضهما بدافع الحب لا بدافع الشك، وبروح الحماية لا بروح التسلط، وبهدف البناء لا بهدف الهدم. وبذلك تتحقق السكينة والمودة والرحمة التي جعلها الله أساس العلاقة الزوجية وركيزة الأسرة المسلمة الناجحة.

نسأل الله تعالى أن يُبارك في بيوت المسلمين، وأن يرزقهم الغيرة المحمودة التي تحفظ الأسرة وتصون العلاقات، وأن يُعيذهم من الغيرة المذمومة التي تُفسد القلوب وتُشتت الشمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة شائعة عن الغيرة في الإسلام

ما حكم الغيرة في الإسلام؟

الغيرة في الإسلام منها ما هو محمود ومنها ما هو مذموم. فالغيرة المحمودة هي التي تكون في محلها وبقدرها، كغيرة الرجل على أهله من الحرام، وغيرة المرأة على زوجها بما لا يتجاوز الحدود الشرعية. أما الغيرة المذمومة فهي التي تقوم على الشك والوسوسة والتجسس بلا مبرر، وقد نهى عنها النبي ﷺ لأنها تُفسد العلاقة الزوجية وتُدمّر الثقة بين الزوجين.

ما معنى غيرة الله تعالى؟

غيرة الله تعالى معناها أنه سبحانه يُبغض أن يأتي عبده ما حرّم عليه، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم الله عليه». فغيرة الله ليست كغيرة المخلوقين، بل هي صفة كمال تليق بجلاله سبحانه، وتدل على عظمة تشريعاته وحكمة أوامره ونواهيه.

كيف كانت غيرة النبي ﷺ على أزواجه؟

كان النبي ﷺ يغار غيرة معتدلة متوازنة، لا إفراط فيها ولا تفريط. وكان يُقرّ غيرة أزواجه أيضًا ويتعامل معها بحكمة ورحمة. فقد جاء أن عائشة رضي الله عنها كانت تغار من خديجة رضي الله عنها، فكان ﷺ يُطيّب خاطرها بلطف. وكان ﷺ يضرب المثل الأعلى في التوازن بين الغيرة الطبيعية وحسن الظن بالزوجة.

ما الفرق بين الغيرة المحمودة والغيرة المذمومة؟

الغيرة المحمودة هي التي تحمل صاحبها على صون عرضه وحماية أهله من الحرام، وتكون مبنية على دليل واضح أو قرينة ظاهرة، ولا تتجاوز حدود الشرع. أما الغيرة المذمومة فهي التي تقوم على الوهم والشك بلا دليل، وتدفع صاحبها إلى التجسس والمراقبة المرضية والاتهام بالباطل، وقد تؤدي إلى الظلم والإيذاء. قال ابن القيم: الغيرة غيرتان، غيرة يحبها الله وغيرة يُبغضها الله.

كيف أوازن بين الغيرة والثقة في العلاقة الزوجية؟

التوازن بين الغيرة والثقة يتحقق بعدة أمور: أولًا حسن الظن بالزوج أو الزوجة ما لم يظهر دليل واضح على خلاف ذلك. ثانيًا عدم التجسس والتنقيب عن العيوب لقوله تعالى: ﴿ولا تجسّسوا﴾. ثالثًا التعبير عن الغيرة بأسلوب لطيف يدل على الحب لا على الشك. رابعًا الحوار المفتوح والصريح عند وجود ما يُقلق. خامسًا الاستعانة بالله والدعاء بأن يحفظ الله البيت من كل سوء.