🤲

الشفاء بالإيمان

الصبر والدعاء والتوكل — سلاح المؤمن في وجه الألم

🤲

مقدمة: الإيمان حصن القلب المكسور

حين يُصاب القلب بجرح الفراق يحتاج إلى ما هو أعمق من العلاج النفسي والنصائح البشرية — يحتاج إلى صلة بالخالق الذي يعلم سرّه وجهره ويعلم حجم ألمه الذي قد لا يستطيع التعبير عنه لأيّ مخلوق. والإيمان بالله ليس هروباً من الواقع بل هو أقوى وسيلة لمواجهته، لأنّه يمنح الإنسان يقيناً بأنّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه وأنّ الله لا يُقدّر لعبده إلا ما فيه خير.

وابن القيم في «عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين» بيّن أنّ المؤمن لا ينكسر أمام البلاء لأنّ لديه سنداً لا ينفد ومعيناً لا ينضب — وهو الله سبحانه وتعالى. والقرآن الكريم مليء بآيات العزاء والتطمين والأمل التي نزلت لتُسكّن قلوب المكلومين وتُضيء الطريق أمام الحائرين. وفي هذا المقال نستكشف كيف يكون الإيمان أعظم أدوات الشفاء.

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

(سورة الرعد: 28)

الصبر الجميل: أرفع مراتب القوة

ذكر الله الصبر في القرآن أكثر من تسعين مرة وجعل الجزاء عليه بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10). والصبر في الإسلام ليس مجرد تحمّل سلبي للألم بل هو موقف إيجابي يجمع بين الرضا بقضاء الله والسعي الفعلي نحو التعافي. وابن القيم فرّق بين ثلاثة أنواع من الصبر: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة — وهذا الأخير هو ما يُحتاج إليه بعد الفراق.

و«الصبر الجميل» الذي ذكره الله في قصة يعقوب عليه السلام هو الصبر الذي لا شكوى فيه للمخلوقين. قال يعقوب: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ (يوسف: 18). وابن تيمية فسّر الصبر الجميل بأنّه الذي لا يُصاحبه تسخّط ولا جزع ولا شكوى إلى غير الله. لكن هذا لا يمنع البكاء والحزن — فيعقوب بكى حتى ابيضّت عيناه ومع ذلك وصف الله صبره بالجميل.

والصبر المحمود يتضمّن ثلاثة عناصر: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن الشكوى لغير الله، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرّمة كالانتقام أو إيذاء النفس. وابن القيم أكّد في «مدارج السالكين» أنّ الصابر يُكافأ ثلاث مكافآت: الصلوات من الله والرحمة والهداية، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 157).

الدعاء: سلاح المؤمن وملجأ المحزون

الدعاء هو العبادة التي لا تحتاج إلى وسيط ولا موعد ولا مكان محدد — صلة مباشرة بين العبد وربّه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186). وفي لحظات الألم والانكسار يكون الإنسان أقرب ما يكون إلى ربّه، لأنّ الحاجة والضعف يكسران حجاب الغفلة ويُعيدان الإنسان إلى فطرته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

❝ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً❞

رواه أحمد

ومن أعظم أوقات الدعاء: الثلث الأخير من الليل حين ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا ويقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأُعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (رواه البخاري ومسلم). وابن القيم وصف دعاء الليل بأنّه «قوت القلوب وغذاء الأرواح ونور البصائر». فإن استطعت أن تقوم ولو قبل الفجر بنصف ساعة فافعل — واسجد وابكِ بين يدي الله وأخبره بكل ما في قلبك فهو أعلم به منك لكنه يحب أن يسمعك.

القرآن: شفاء لما في الصدور

قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82). والقرآن ليس شفاءً للأجساد فحسب بل هو شفاء للقلوب والنفوس. ومن السور التي تبثّ الطمأنينة في قلب المحزون: سورة الضحى التي نزلت لتُطمئن النبي ﷺ حين شعر بالوحشة والانقطاع، وسورة الشرح التي تُبشّر بأنّ مع كل عسر يُسراً، وسورة يوسف التي تروي قصة الصبر الجميل والفرج بعد البلاء.

وابن القيم في «الفوائد» قال إنّ القرآن يُعيد بناء القلب من الداخل كما يُعيد الغذاء بناء الجسد. فحين تقرأ القرآن بتدبّر تجد فيه جواباً لكل سؤال يُؤرّقك وعزاءً لكل ألم يُقلقك. وسورة الرحمن بتكرارها: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تُذكّرك بنعم الله التي لا تُحصى في وقت قد لا ترى فيه سوى ما فقدت.

واجعل لنفسك ورداً يومياً من القرآن ولو صفحة واحدة. واقرأ بتأنٍّ وتدبّر لا بسرعة وعجلة. وإن مررت بآية تلامس قلبك فقف عندها وكرّرها وتأمّلها. فالقرآن ليس كتاباً تقرؤه بل هو رسالة من الله إليك — فأنصت لها بقلبك قبل أذنك.

الصلاة: صلة بالله تُسكّن القلب

النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (رواه أبو داود). والصلاة ليست مجرد حركات بدنية بل هي لقاء بين العبد وربّه، وفيها لحظة السجود التي هي أقرب ما يكون العبد من ربّه. قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: 19). وفي السجود يُفرغ المؤمن ما في قلبه ويشعر بالقرب الإلهي الذي لا يُعوّضه قرب أيّ مخلوق.

وقيام الليل خاصة من أقوى علاجات القلب المكسور. ففي جوف الليل تسكن الأرض وتهدأ النفس ويتوجّه القلب إلى الله بصدق لا يتوفّر في النهار. وابن القيم قال في «مدارج السالكين» إنّ قيام الليل يُنير الوجه ويُسكّن القلب ويُذهب الهموم ويُقرّب من الله. ولا تحتاج إلى ساعات طويلة — ركعتان في آخر الليل بخشوع وبكاء خير من قيام طويل بغفلة.

الذكر والاستغفار: تطهير القلب

الذكر هو غذاء الروح الذي لا يُستغنى عنه. والنبي ﷺ شبّه الذاكر وغير الذاكر بالحيّ والميت (رواه البخاري). ومن أعظم الأذكار في أوقات الحزن: الاستغفار. قال تعالى على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ❁ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ❁ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (نوح: 10-12). فالاستغفار يفتح أبواب الرزق والفرج والسعادة.

ومن الأذكار العظيمة في الحزن: «لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» — وهو دعاء يونس عليه السلام في بطن الحوت. قال النبي ﷺ: «ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله عنه». و«حسبنا الله ونعم الوكيل» التي قالها إبراهيم حين أُلقي في النار. و«لا حول ولا قوة إلا بالله» التي وصفها النبي ﷺ بأنّها كنز من كنوز الجنة. اجعل لسانك رطباً بذكر الله وستجد قلبك يسكن تدريجياً.

التوكل على الله: ثقة بحكمته

التوكل على الله يعني أن تبذل الأسباب ثم تُفوّض النتائج لله وتثق بأنّ ما اختاره لك هو الأفضل. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3). والتوكل ليس كسلاً ولا تواكلاً بل هو أعلى مراتب الإيمان بحكمة الله وعدله. فأنت تفعل ما في وسعك — من العلاج النفسي إلى إعادة بناء حياتك — ثم تُسلّم لله ما لا تستطيع تغييره.

وابن القيم شرح في «مدارج السالكين» أنّ التوكل يتكوّن من عنصرين: الاعتماد على الله والثقة به مع بذل الأسباب. فكما أنّ الفلاح يزرع ويسقي ثم يتوكل على الله في الإنبات، فأنت تبذل جهدك في التعافي ثم تتوكل على الله في الشفاء والتعويض. وحُسن الظن بالله من أعظم أركان التوكل — أن تعتقد أنّ الله لم يأخذ منك شيئاً إلا ليُعطيك خيراً منه وإن لم تدرك ذلك الآن.

خاتمة: الله أقرب إليك من حبل الوريد

في نهاية هذه الرحلة الروحية تذكّر أنّ الله أقرب إليك من حبل الوريد وأنّه يعلم ما في قلبك ويسمع دعاءك ويرى دموعك. لست وحيداً أبداً — حتى لو شعرت بذلك. والقلب المكسور هو أحبّ القلوب إلى الله كما ذكر بعض الصالحين، لأنّ الانكسار يُعيد الإنسان إلى حقيقته ويُقرّبه من خالقه.

وتذكّر قصة يعقوب عليه السلام الذي حزن على يوسف سنوات طويلة حتى ابيضّت عيناه من البكاء، لكنّه لم يفقد الأمل بالله أبداً: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ (يوسف: 87). فلا تيأس من روح الله، فبعد الليل فجر وبعد العسر يُسر وبعد الألم شفاء. واجعل إيمانك سلاحك ودعاءك دواءك وقرآنك أنيسك، والله كفيل بأن يشفي قلبك ويُعوّضك خيراً.

أسئلة شائعة حول الشفاء بالإيمان

س:هل الحزن بعد الفراق ينقص الإيمان؟

ج:لا، الحزن لا ينقص الإيمان. فالنبي ﷺ نفسه حزن وبكى وسمّى عاماً كاملاً بعام الحزن بعد وفاة خديجة رضي الله عنها. الذي ينقص الإيمان هو السخط على قدر الله والاعتراض على حكمته. أما الحزن مع الرضا والتسليم فهو من أعلى مراتب الصبر الجميل.

س:ما أفضل الأذكار التي تُسكّن القلب المحزون؟

ج:من أعظم الأذكار: «لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» (دعاء ذي النون) و«اللهم إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن» و«حسبنا الله ونعم الوكيل» والإكثار من الاستغفار. وقراءة سورة الضحى والشرح والرحمن ويوسف تبثّ في النفس سكينة عجيبة.

س:كيف أتقبّل قدر الله وأنا في ألم شديد؟

ج:تقبّل القدر لا يعني عدم الألم بل يعني ألّا يتحوّل الألم إلى سخط على الله. قل لنفسك: أنا أتألم وهذا طبيعي لكنني أعلم أنّ الله لا يُقدّر لي إلا ما فيه خير وإن لم أفهمه الآن. والرضا بالقدر يأتي تدريجياً ولا يُطلب دفعة واحدة فكن رفيقاً بنفسك.

س:هل قيام الليل يُساعد في الشفاء من الحزن؟

ج:نعم، قيام الليل من أقوى أسباب الشفاء الروحي. ففي الثلث الأخير من الليل ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا ويقول: من يدعوني فأستجيب له. والبكاء بين يدي الله في سجود الليل من أعظم ما يُطهّر القلب ويُسكّنه. حتى لو صليت ركعتين فقط فابدأ بهما.

س:هل يجوز الدعاء على من ظلمني في العلاقة؟

ج:المظلوم له حق الدعاء على ظالمه ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب كما في الحديث. لكن العلماء نصحوا بأنّ الأفضل هو العفو والدعاء بالهداية للظالم لأنّ ذلك أعظم أجراً وأنفع لقلبك. والعفو لا يعني إسقاط حقّك بل يعني أنك اخترت الطريق الأعلى طلباً لرضا الله.