مقدمة: حقوق لا مِنّة
من أعظم ما يُميّز التشريع الإسلامي أنه لم يترك المرأة المطلقة بلا حماية في لحظة ضعفها. بل كفل لها حقوقاً مالية واجتماعية ونفسية واضحة ومحددة — ليست تفضّلاً من الرجل ولا منّة من المجتمع بل هي حقوق فرضها الله وأوجبها. وقد جاء في القرآن أكثر من عشرين آية تتحدث عن حقوق المطلقات، مما يدلّ على عظم اهتمام الشريعة بحمايتهنّ.
وقد حذّر الله تعالى من ظلم المطلقات تحذيراً شديداً: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 231). وابن كثير في تفسيره أوضح أنّ «الضرار» يشمل كل أشكال الأذى: منع الحقوق المالية، وتأخير إجراءات الطلاق، واستخدام الأطفال كوسيلة ضغط. فالإسلام حين شرع الطلاق لم يُطلق يد الرجل بلا حساب، بل جعل كل خطوة محكومة بالعدل والإحسان.
قال الله تعالى:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
(سورة البقرة: 241)
الحق الأول: مؤخّر المهر
المهر حق ثابت للمرأة لا يسقط بالطلاق. والمهر في الإسلام على نوعين: مُقدّم يُدفع عند العقد، ومُؤخّر يُدفع عند الطلاق أو الوفاة. وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4)، أي عطاءً واجباً لا تفضّلاً. وابن القيم أكّد أنّ المهر المؤخّر دَين في ذمة الزوج يجب أداؤه كاملاً عند الطلاق، ولا يجوز المماطلة فيه أو التهرّب منه.
وإذا طُلّقت المرأة قبل الدخول بها فلها نصف المهر المسمّى، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (البقرة: 237). أما بعد الدخول فلها المهر كاملاً بلا نقصان. والإمام الغزالي حذّر من أنّ بخس المرأة حقّها في المهر من أعظم الظلم لأنه اعتداء على مال فرضه الله لها.
الحق الثاني: نفقة العدة والسكن
للمطلقة رجعياً حق النفقة والسكن خلال فترة العدة بإجماع العلماء. وقد نصّ القرآن على ذلك صراحة: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق: 6). والنفقة تشمل الطعام والشراب والكسوة وما يلزم المعيشة. والسكن يعني أنها تبقى في بيت الزوجية — ولا يجوز إخراجها منه ولا التضييق عليها فيه.
وإن كانت حاملاً فنفقتها مستمرة حتى تضع، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً. قال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6). والقرطبي بيّن أنّ الحكمة في ذلك حماية الجنين الذي هو ثمرة هذا الزواج وحقّه في التغذية والرعاية لا يسقط بطلاق أبويه.
الحق الثالث: متعة الطلاق
متعة الطلاق مبلغ مالي يدفعه الزوج للمطلقة تعويضاً وإكراماً، وقد جعلها الله حقاً على المتقين. وتُقدّر حسب حال الزوج المادية: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (البقرة: 236). وابن تيمية أكّد أنّ المتعة واجبة على كل مطلّق، لأنّ الله أطلق الأمر بها دون تقييد. وهي تُمثّل اعترافاً بسنوات العمر التي قضتها المرأة في خدمة البيت والأسرة.
الحق الرابع: نفقة الأولاد
نفقة الأولاد واجبة على الأب سواء كانوا في حضانته أو في حضانة أمهم. وتشمل كل ما يحتاجه الطفل: المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتعليم والعلاج. وتستمر هذه النفقة حتى يبلغ الابن قادراً على الكسب وحتى تتزوج البنت. وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233).
وإن كانت الأم هي الحاضنة فلها أيضاً أجرة الحضانة وأجرة الرضاع. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6). والإمام الغزالي أكّد أنّ التقتير على الأبناء بعد الطلاق من أعظم الإثم، لأنّ الطفل لا ذنب له في خلاف أبويه. وإن امتنع الأب عن النفقة فللأم حق رفع الأمر للقاضي لإلزامه بها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
❝كفى بالمرء إثماً أن يُضيّع من يعول❞
رواه أحمد وأبو داود
الحق الخامس: الكرامة الاجتماعية
من حقوق المطلقة التي كثيراً ما تُهمل: حقّها في الكرامة والسمعة. لا يجوز للزوج السابق أن يُشيع أسرار الحياة الزوجية أو يُسيء لسمعتها بعد الطلاق. وقد قال النبي ﷺ: «إنّ من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرّها» (رواه مسلم). والمجتمع الإسلامي مسؤول عن عدم وصم المطلقة أو إقصائها، فالطلاق ليس عيباً بل هو حلّ شرعي لمشكلة إنسانية.
وقد نبّه ابن حزم إلى أنّ المرأة المطلقة لا تفقد قيمتها بالطلاق، وأنّ كثيراً من أمهات المؤمنين تزوّجهنّ النبي ﷺ وهنّ أرامل أو مطلقات. وخديجة رضي الله عنها — أفضل نساء هذه الأمة — كانت ثيّباً حين تزوّجها النبي ﷺ. فالنظرة الدونية للمطلقة جاهلية لا إسلامية.
خاتمة: اعرفي حقوقك ولا تتنازلي
لكل امرأة تمرّ بتجربة الطلاق نقول: اعرفي حقوقك جيداً ولا تتنازلي عنها. هذه حقوق فرضها الله لك ولم يتركها لمزاج الرجال ولا لضغوط المجتمع. استعيني بمحامٍ شرعي أو مستشار قانوني إذا لزم الأمر. وتذكّري أنّ المطالبة بحقوقك ليست جشعاً — بل هي حماية لنفسك ولأبنائك ومستقبلكم. والله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 237)، فدعا إلى التفضّل والإحسان لكنه حمى الحقوق الأساسية بنصوص واضحة لا تحتمل التأويل.
