📜

أحكام الطلاق في الإسلام

الطلاق الرجعي والبائن والخلع — تفصيل شرعي شامل

📜

مقدمة: منظومة الطلاق في الشريعة الإسلامية

لم يترك الإسلام أمر الطلاق فوضوياً بلا ضوابط، بل وضع منظومة تشريعية متكاملة تحكم كل مرحلة من مراحله، من لحظة التفكير فيه إلى ما بعد وقوعه. هذه المنظومة تهدف إلى تحقيق التوازن بين حق الإنسان في إنهاء علاقة مؤذية وبين حماية الأسرة من التفكك لأسباب عابرة. وقد تميّز التشريع الإسلامي بالتدرّج الحكيم الذي يمنح الزوجين فرصاً متعددة للمراجعة قبل أن يصبح الفراق نهائياً.

وقد أفرد القرآن الكريم سورة كاملة باسم «الطلاق» — وهي السورة الخامسة والستون — مما يدلّ على عظم اهتمام الشريعة بهذا الموضوع. وقال الإمام القرطبي في تفسيره إنّ أحكام الطلاق من أكثر أبواب الفقه تفصيلاً لأنّها تتعلق بأعراض الناس وأنسابهم وأموالهم وعواطفهم. وابن القيم في «زاد المعاد» بيّن أنّ حكمة الشريعة اقتضت أن تكون أحكام الفراق بين الزوجين أكثر تفصيلاً من أحكام الجمع بينهما، لأنّ الخطأ في الفراق أشدّ ضرراً وأبعد أثراً.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾

(سورة الطلاق: 1)

هذه الآية تُؤسّس لمبدأ جوهري: أنّ الطلاق ليس كلمة تُقال في لحظة انفعال بل هو إجراء منظّم له شروط وأوقات. فقوله «فطلقوهنّ لعدّتهنّ» يعني أن يكون الطلاق في طُهر لم يُجامعها فيه، وهذا يفرض فترة انتظار بين نيّة الطلاق وتنفيذه. وقوله «وأحصوا العدة» يعني أن تُحسب العدة بدقة حفظاً للحقوق. وقوله «واتقوا الله ربكم» يُذكّر بأنّ الله رقيب على هذا الأمر العظيم.

الطلاق الرجعي: الفرصة الأولى والثانية

الطلاق الرجعي هو الطلقة الأولى أو الثانية، وفيه يملك الزوج حق إرجاع زوجته إلى عصمته خلال فترة العدة دون الحاجة إلى عقد جديد أو مهر جديد أو رضا المرأة — وإن كان إعلامها واجباً. والحكمة من ذلك إتاحة فرصة للتراجع والإصلاح بعد أن يهدأ الانفعال ويعود العقل. وقد قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (البقرة: 228).

وقد قيّد الله حق الرجعة بنيّة الإصلاح: «إن أرادوا إصلاحاً». فلا يجوز للزوج أن يُراجع زوجته بقصد الإضرار بها أو تعليقها. وابن كثير في تفسيره أوضح أنّ من راجع زوجته ليُطلّقها مرة أخرى إذلالاً لها فقد ارتكب إثماً عظيماً. والإمام القرطبي أكّد أنّ الرجعة حقّ مشروط بالإصلاح، فإن تبيّن أنّ القصد منها الإضرار حُرمت شرعاً.

والعدة في الطلاق الرجعي ثلاثة قروء (حيضات) لذوات الحيض، وثلاثة أشهر لمن انقطع عنها الحيض، وللحامل حتى تضع حملها. وخلال العدة تبقى المرأة في بيت الزوجية ولها حق النفقة والسكن كاملاً. ولا يجوز إخراجها من البيت ولا تخرج هي إلا في حالة ارتكابها فاحشة مبيّنة، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (الطلاق: 1).

الطلاق البائن: الصغرى والكبرى

البينونة الصغرى تحصل في حالتين: انتهاء العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون رجعة، أو الخلع. وفي هذه الحالة يمكن للزوجين العودة لكن بعقد جديد ومهر جديد وبرضا المرأة — فالأمر لم يعد بيد الزوج وحده. وهذا يمنح المرأة حرية القرار في العودة من عدمها، وهو من عدالة التشريع الإسلامي.

أما البينونة الكبرى فتحصل بوقوع الطلقة الثالثة. وحكمها أنّ المرأة لا تحلّ لزوجها السابق حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً حقيقياً ويدخل بها ثم يُطلّقها أو يتوفّى عنها وتنقضي عدّتها. وقد قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (البقرة: 230). والحكمة من هذا التشريع — كما بيّن ابن القيم — هي الزجر عن التلاعب بالطلاق، فحين يعلم الزوج أنّ الطلقة الثالثة ستُفضي إلى فقدانه زوجته نهائياً يتريّث ولا يتسرّع.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

❝لعن الله المُحلِّل والمُحلَّل له❞

رواه أحمد والترمذي وأبو داود

وهذا الحديث يحذّر من «نكاح التحليل» — وهو أن يتزوج رجل المطلقة ثلاثاً بنيّة تحليلها لزوجها الأول ثم يُطلّقها. هذا النكاح باطل عند جمهور العلماء لأنه حيلة تُناقض مقصد الشريعة. وابن تيمية أكّد أنّ كل حيلة للتلاعب بأحكام الطلاق حرام، لأنّ الله شرع هذه الأحكام لحكمة ومن تحايل عليها فقد استهزأ بشرع الله.

الخُلع: حق المرأة في الفراق

الخُلع هو أن تطلب المرأة الفراق من زوجها مقابل عوض مالي تدفعه له — عادة ما يكون ردّ المهر أو جزء منه. وأصله الشرعي ثابت في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: 229). وفي السنة جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله، ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام» — تعني أنها تخشى التقصير في حقوقه لبغضها له — فأمر النبي ﷺ بقبول الخلع.

والخلع يُمثّل ضمانة شرعية لحرية المرأة في إنهاء الزواج الذي لا تريده. وقد ذهب بعض العلماء — ومنهم ابن حزم الظاهري — إلى أنّ الخلع يجب على الزوج قبوله إذا طلبته المرأة ولا يحقّ له رفضه، وذهب آخرون إلى أنه يحتاج لموافقته أو حكم القاضي. والعدة في الخلع حيضة واحدة عند بعض العلماء — خلافاً للطلاق الذي عدّته ثلاث حيضات — وهذا من رحمة الشريعة بالمرأة المختلعة.

شروط صحة الطلاق

وضع العلماء شروطاً لصحة وقوع الطلاق تحمي الأسرة من التهوّر والانفعال. أهمها: أن يكون المطلّق عاقلاً بالغاً مختاراً. فلا يقع طلاق المجنون ولا الصبي ولا المُكرَه. وأضاف ابن تيمية شرط الإدراك والوعي، فقرّر أنّ طلاق الغضبان الشديد الذي لا يعي ما يقول لا يقع، لأنه في حكم المجنون في تلك اللحظة.

ومن الشروط أيضاً أن يكون الطلاق صريحاً واضحاً أو كنائياً بنيّة واضحة. فإن قال الزوج كلاماً يحتمل الطلاق وغيره نُظر في نيّته. كذلك اشترط بعض العلماء حضور شاهدين، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (الطلاق: 2). والطلاق السُّني — أي الذي يوافق السنة — هو أن يُطلّقها طلقة واحدة في طُهر لم يُجامعها فيه ثم يتركها حتى تنقضي عدّتها. أما الطلاق البدعي فهو كطلاقها وهي حائض أو في طُهر جامعها فيه، وقد اختلف العلماء في وقوعه.

قال الله تعالى:

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

(سورة البقرة: 229)

العِدّة: حكمتها وأحكامها

العدة فترة انتظار شرعية تلتزم بها المرأة بعد الطلاق، وهي ليست عقوبة بل حكمة تشريعية بالغة. فمن حِكمها: التأكد من خلوّ الرحم حفظاً للأنساب، وإتاحة فترة للتأمّل والمراجعة قد يعود فيها الزوجان لرشدهما، وحماية المرأة مادياً خلال المرحلة الانتقالية حيث تجب لها النفقة والسكن.

وأنواع العدة تختلف حسب حال المرأة: ثلاثة قروء (حيضات) لذوات الحيض، وثلاثة أشهر قمرية لمن انقطع عنها الحيض أو لم تحض أصلاً، وحتى وضع الحمل للحامل ولو بعد ساعة من الطلاق. والإمام الغزالي بيّن أنّ العدة شُرعت حفظاً لخمسة أمور: حفظ النسب، وحفظ حق الرجعة، وتعظيم أمر النكاح، وحفظ حقوق المرأة، والحداد على فراق الزوج.

خاتمة: التدرّج والحكمة في أحكام الطلاق

إنّ المتأمّل في أحكام الطلاق في الإسلام يجد حكمة بالغة في كل تفصيل. فالتدرّج من طلقة واحدة رجعية إلى بائنة صغرى إلى بائنة كبرى يُشبه نظام الإنذار المتصاعد: إنذار أول مع فرصة للعودة السهلة، ثم إنذار ثانٍ مع شروط أصعب للعودة، ثم انفصال نهائي لمن لم يتعلّم من المرات السابقة. هذا النظام يحمي الأسرة من التسرّع ويمنح الفرص دون أن يفتح باب التلاعب.

وقد لخّص ابن القيم فلسفة الطلاق في الإسلام بقوله: إنّ الله جعل الطلاق علاجاً لا غذاءً — يُلجأ إليه عند الحاجة ويُتجنّب مع الاستطاعة. والمسلم الذي يفهم أحكام الطلاق يستطيع أن يتعامل مع هذا الابتلاء بعلم وحكمة وتقوى، فلا يظلم نفسه ولا يظلم غيره. ونسأل الله أن يحفظ بيوت المسلمين ويُصلح ذات بينهم، فإن قدّر الفراق جعله فراقاً بإحسان يحفظ الكرامة والحقوق.

أسئلة شائعة حول أحكام الطلاق

س:ما هو الطلاق الرجعي وكيف تتم الرجعة؟

ج:الطلاق الرجعي هو الطلقة الأولى أو الثانية التي يملك فيها الزوج حق إرجاع زوجته خلال فترة العدة دون الحاجة إلى عقد جديد أو مهر جديد. تتم الرجعة بالقول كأن يقول: «راجعتُ زوجتي» أو بالفعل كأن يعاشرها معاشرة الأزواج. ويُستحب أن تكون الرجعة بحضور شاهدين لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾. والشرط الأساسي أن تتم الرجعة خلال العدة، فإن انتهت العدة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.

س:ما الفرق بين البينونة الصغرى والكبرى؟

ج:البينونة الصغرى تحصل عند انتهاء العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون رجعة، وفيها يمكن للزوجين العودة لكن بعقد ومهر جديدين وبرضا المرأة. أما البينونة الكبرى فتحصل بعد الطلقة الثالثة، وفيها لا تحلّ المرأة لزوجها السابق حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً حقيقياً (ليس نكاح تحليل) ثم يُطلّقها أو يتوفّى عنها وتنتهي عدتها. وقد شُرعت البينونة الكبرى زجراً للأزواج عن التلاعب بالطلاق.

س:هل يقع الطلاق في حالة الغضب الشديد؟

ج:اختلف العلماء في ذلك. والراجح عند كثير من المحققين كابن تيمية وابن القيم أنّ الطلاق في حالة الغضب الشديد الذي يفقد فيه الإنسان إدراكه ووعيه لا يقع، لأنّ الشريعة تشترط العقل والإرادة الحرة في التصرفات. أما الغضب العادي الذي يبقى فيه الإنسان مدركاً لما يقول فيقع طلاقه. والمسألة تحتاج إلى تقدير القاضي حسب كل حالة.

س:ما هو الخلع وكيف يختلف عن الطلاق؟

ج:الخلع هو أن تطلب المرأة الفراق من زوجها مقابل عوض مالي — عادة ردّ المهر أو جزء منه. يختلف عن الطلاق في أنّ المبادرة فيه من المرأة لا الرجل، وأنه يتطلب موافقة الزوج (أو حكم القاضي عند بعض المذاهب). والخلع فرقة بائنة بينونة صغرى عند جمهور العلماء، أي لا رجعة فيه خلال العدة. وقد ثبت في السنة حين خالعت امرأة ثابت بن قيس نفسها بردّ حديقته.

س:هل يجوز الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد؟

ج:اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كبيراً. فذهب الجمهور إلى وقوعه ثلاثاً. وذهب ابن تيمية وابن القيم وبعض السلف إلى أنه يقع طلقة واحدة فقط، واستدلوا بأنّ ذلك كان الحكم في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر. وهذا القول أخذت به كثير من قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية المعاصرة رفقاً بالناس وحفاظاً على الأسر.