قيس وليلى: مجنون ليلى

أشهر قصة حب عربية — بين الجنون والعشق الأبدي

💔

مقدمة: أشهر قصة حب في التاريخ العربي

في كل حضارة قصةُ حب واحدة تصبح رمزاً لكل عشق جاء بعدها. عند الإغريق طروادة وهيلين، وعند الإنجليز روميو وجولييت، أمّا عند العرب فإنّ القصة التي تفوق كل القصص حضوراً في الوجدان الجمعي هي قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية — تلك القصة التي حوّلت اسم “المجنون” من وصمة إلى لقب شرف يعني أنّ صاحبه أحبّ حباً تجاوز طاقة العقل البشري على الاحتمال.

لا تُعدّ هذه القصة مجرد حكاية غرامية من حكايات البادية، بل هي نص مؤسِّس في فلسفة الحب العربية. فمنها انبثق مفهوم العشق الذي يُجنّ صاحبه، ومنها تبلور الحب العذري كمدرسة أدبية كاملة، ومنها استلهم شعراء ومفكرون في الفارسية والتركية والأوردية والأوروبية عبر أكثر من ألف عام. قيس وليلى ليسا مجرد عاشقَين، بل هما المرآة التي رأت فيها البشرية انعكاس ذلك السؤال الخالد: لماذا يُعذَّب المحبّ بسبب حبّه؟

السياق التاريخي: نجد في العصر الأموي

تدور أحداث القصة في صحراء نجد خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي)، في عهد الدولة الأموية. كانت نجد آنذاك بيئة بدوية صارمة تحكمها العادات القبلية الراسخة، حيث يُمثّل الشرف والعِرض أعلى القيم الاجتماعية، ويُعدّ كل ما يمسّهما جريمة لا تُغتفر.

في هذا المجتمع القبلي، كان إعلان الرجل حبّه لامرأة بالاسم في الشعر يُعدّ من أشد أنواع التشهير. فالقصيدة في ذلك الزمان كانت تنتقل بسرعة من مجلس إلى مجلس ومن سوق إلى سوق، فتصبح المرأة المذكورة فيها حديث القبائل كلها. ومن هنا نشأ التناقض المأساوي الذي قامت عليه قصة قيس: أنّ أداة التعبير عن حبّه — الشعر — هي نفسها التي حالت بينه وبين من يحبّ.

ولم تكن قصة قيس وليلى حالة فردية معزولة، بل كانت جزءاً من ظاهرة أوسع عُرفت بـالحب العذري، نسبة إلى قبيلة بني عُذرة التي اشتهر أبناؤها بالموت من شدة العشق. فقد شهد العصر الأموي عدداً من الشعراء الذين عاشوا تجارب مشابهة: جميل بثينة، وكُثيّر عزّة، وعروة بن حزام. لكنّ قيساً تميّز عنهم جميعاً بأنه فقد عقله فعلاً وتجاوز حدود الشعر إلى الجنون الكامل.

القصة: من حب الطفولة إلى المنع القبلي

تروي المصادر العربية القديمة — وفي مقدمتها “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني و“الشعر والشعراء” لابن قتيبة — أنّ قيس بن الملوح بن مزاحم العامري نشأ في بادية نجد من بني عامر بن صعصعة. وقد أحبّ ليلى بنت مهدي (أو سعد) العامرية منذ طفولتهما، حين كانا يرعيان الإبل معاً في المراعي. نما الحب بينهما مع نموّهما، وكان حباً بريئاً صافياً لم يعرف الحيلة ولا التخفّي.

تعلّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذُؤابةٍ
ولم يبدُ للأترابِ من ثَديِها حَجمُ

صغيرَين نرعى البَهمَ يا ليتَ أنّنا
إلى اليومِ لم نكبَر ولم تكبَرِ البَهمُ

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

حين كبر قيس وليلى، فرّقت بينهما عادات القبيلة التي تحجب النساء عن الرجال بعد البلوغ. لكنّ قيساً لم يستطع كتمان حبّه، فأطلق لسانه بالشعر يُنشد في كل مكان باسم ليلى. تناقل الناس أشعاره في الأسواق والمحافل، وشاع اسم ليلى على كل لسان. حين تقدّم قيس لخطبة ليلى، رفض أبوها رفضاً قاطعاً. فقد رأى أنّ تزويج ابنته لمن شهّر باسمها في القبائل عار لا يُحتمل. قالوا إنه قال: لو زوّجتُها إياه لقالت العرب إنّه أخذها بشعره وغلبني على ابنتي.

ثم زاد الأمر قسوة حين زوّج الأب ليلى من ورد بن محمد العُقيلي — وقيل من ثقيف — وهو رجل ثري من قبيلة أخرى. ارتحلت ليلى مع زوجها بعيداً عن ديار بني عامر، وبقي قيس وحيداً يواجه عالماً فقد فيه كل معنى. هذه اللحظة — لحظة الفقدان الكامل — هي التي حوّلته من عاشق يائس إلى مجنون بالمعنى الحقيقي للكلمة.

جنون العشق: الهيام في البراري

بعد زواج ليلى من غيره، انكسر شيء في داخل قيس لم يُجبر أبداً. تروي المصادر أنّه بدأ يفقد عقله تدريجياً: هجر المجالس، وترك ثيابه، وخلع نعليه، ثم خرج من ديار قومه إلى البراري والجبال يهيم وحده بين الوحوش. لم يعد يأكل إلا ما يقذفه له الرعاة أو ما يجده من أعشاب الصحراء. كان يتحدث إلى الغزلان والظباء كأنها ليلى، ويبكي على الصخور، وينقش أشعاره على الحجارة والأشجار.

حاول أهله مراراً أن يعيدوه إلى رشده. أخذه أبوه إلى الحج في مكة راجياً أن يدعو الله ليشفيه من حبّه. يُروى أنّ قيساً وقف عند الكعبة ودعا: “اللهم زدني لليلى حباً!” فسقط أبوه مغشياً عليه من الحسرة. هذه الرواية — سواء كانت حقيقية أم مصنوعة — تكشف عن جوهر المأساة القيسية: أنّ الحب عند قيس لم يكن اختياراً يمكن الرجوع عنه، بل كان قدراً محتوماً لا فكاك منه. هو لا يريد أن يُشفى من حبّه، لأنّ حبّه هو هويّته الوحيدة المتبقية.

وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها
فقلتُ لهم فإنّي لا أشاءُ

وكيف وحبُّها عَلِقٌ بقلبي
كما عَلِقَ الأَديمُ به الدِّباءُ

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

يُروى أنّ أباه أحضر له فقهاء ورقاة وأطباء، لكنّ أحداً لم يستطع شفاءه. وأنّ بعض الناس كانوا يأتون إليه في البرية ويذكرون اسم ليلى أمامه ليسمعوا شعره، فكان يُنشد أبياتاً ثم يسقط مغشياً عليه. اكتسب لقب “المجنون” لا بمعنى فقدان العقل الكامل، بل بمعنى أنّ عشقه تجاوز كل حدود المعقول والمألوف. كان يحفظ كل شيء عن ليلى ويفقد كل شيء آخر: يعرف اسمها ولا يعرف اسم نفسه، يعرف ديارها ولا يعرف أين هو.

أشعار المجنون: صرخة العاشق الأبدية

ما يُنسب إلى قيس بن الملوح من الشعر كثير جداً، وقد جمعه الرواة من مصادر مختلفة على مدى قرون. ومن المرجّح أنّ كثيراً من هذه الأشعار ليس من نظمه، بل نُسب إليه لأنّه أصبح رمزاً يُعلَّق عليه كل شعر في العشق المستحيل. لكنّ هذا لا ينقص من قيمة الأشعار ذاتها، فهي تمثل ذروة الشعر العذري بصرف النظر عن قائلها الحقيقي.

أَراني إذا صلّيتُ يمّمتُ نحوها
بوجهي وإن كان المُصلّى ورائيا

وما بيَ إشراكٌ ولكنّ حُبَّها
وعُظمَ الجوى أعيا الطبيبَ المُداويا

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

هذا البيت الشهير يختزل فلسفة العشق القيسي كلها: إنّ حب ليلى ملأ كيان قيس بالكامل حتى أصبح يتوجّه إليها لا شعورياً في صلاته. ثم يستدرك بأنّ هذا ليس شركاً بالله بل هو عجز عن السيطرة على قلب ملكه الحب. هذا التوتر بين العشق البشري والإيمان الديني هو من أعمق ما في التجربة القيسية، وقد شغل العلماء والنقّاد على مدى قرون.

أُحِبُّها وتُحِبُّني
ويُحِبُّ ناقتَها بَعيري

ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فينقضي
عناها ولا تحيا حياةً لها طعمُ

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

ومن أبرز سمات شعر قيس بساطة اللغة وعمق المعنى. فهو لا يتكلّف الزخرف البلاغي ولا يلجأ إلى المحسّنات البديعية المعقّدة، بل يتحدث بلغة مباشرة كأنها صرخة تخرج من أعماق القلب دون مرور على العقل. هذه البساطة هي سرّ خلود أشعاره: إنّها تخاطب القلب مباشرة، فيفهمها كل عاشق في كل زمان ومكان.

ومن الأبيات التي تُروى عنه وتصف حاله بعد الجنون:

وإنّي لَمجنونٌ وما لِيَ حيلةٌ
ولكنّ ربَّ العرشِ أبلاني بها

أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى
فصادفَ قلباً خالياً فتمكّنا

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

ليلى: المعاناة الصامتة

في أغلب الروايات عن قصة قيس وليلى، يُسلَّط الضوء على قيس وجنونه وأشعاره، بينما تبقى ليلى في الظل شبه صامتة. لكنّ النظر في تفاصيل القصة يكشف عن مأساة ليلى التي لا تقل قسوة عن مأساة قيس. فقد أحبّت قيساً كما أحبّها، لكنّها كانت أسيرة مجتمع لا يسمح للمرأة أن تعلن حبّها أو أن ترفض إرادة أبيها.

زُوّجت ليلى من رجل لم تختره ولم تحبّه، وانتقلت إلى دياره بعيداً عن قيس وعن كل ما عرفته. يُروى أنّها كانت وفيّة لزوجها في الظاهر — فلم تخن عهد الزوجية — لكنّها ظلّت تحمل في قلبها حباً لقيس لم يمت أبداً. يُحكى أنّ زوجها كان يعاملها بلطف ويعرف أنّ قلبها ليس معه، فكان يتحمّل ذلك بصبر أو بألم مكتوم.

وتذكر بعض الروايات أنّ ليلى وقيساً التقيا مرة بعد زواجها، فبكيا معاً دون أن يمسّ أحدهما الآخر. وقيل إنّ ليلى قالت لقيس: “لقد أضعتني وأضعت نفسك!” تعني أنّه لو كتم حبّه لما حال الناس بينهما. وهذا يكشف عن وعي ليلى بأنّ السبب الحقيقي لمأساتهما ليس الحب بل المجتمع الذي لا يتسامح مع الحب المُعلن. ليلى كانت تفهم ما لم يفهمه قيس: أنّ في هذا العالم أحياناً يجب أن تُخفي أغلى ما تملك لتحميه.

يُروى أنّ ليلى بعد سنوات من الزواج بدأت تذبل ببطء. اعتلّت صحتها واشتدّ عليها الحزن والكمد. لم تجد في حياتها مع زوجها ما يملأ الفراغ الذي تركه قيس في قلبها. فالجسد كان في بيت الزوجية والروح هائمة في صحراء نجد مع ذلك المجنون الذي يتحدث إلى الغزلان. معاناة ليلى الصامتة لا تقل مأساوية عن جنون قيس المُعلن — بل لعلها أشدّ، لأنّها عاشت ألمها في الكتمان بلا صوت ولا شعر ولا بكاء على الملأ.

النهاية: الموت من الحب

تختلف الروايات في تفاصيل نهاية القصة، لكنّها تتفق في خطوطها العامة: كلاهما مات من ألم الفراق. تذكر أكثر الروايات أنّ ليلى ماتت أولاً، حزناً وكمداً في بيت زوجها. وحين بلغ الخبر قيساً — أو حين عثر على قبرها كما في بعض الروايات — أنشد آخر أشعاره وألقى نفسه على قبرها يبكي حتى فارق الحياة.

وفي رواية أخرى، وُجد قيس ميتاً قرب صخرة في البرية وقد نقش عليها آخر أبياته. يُقال إنه كان قد نحل جسمه حتى لم يبق منه إلا عظام وجلد، ووُجدت حوله ظباء وحيوانات برية كأنها كانت تؤنسه في وحشته الأخيرة. دُفن في مكانه أو نُقل إلى ديار قومه على اختلاف الروايات.

سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ
بكاءَ حزينٍ مفردٍ قلّ ناصرُه

قتيلُ هوى ليلى أُصيبَ فلم يَجد
طبيباً يُداويه ولم تُحْسِ عاثرُه

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

النهاية المأساوية لقيس وليلى ليست مجرد خاتمة لقصة حب، بل هي حكم أدبي على مجتمع بأكمله. فالقصة تقول ضمنياً إنّ المجتمع الذي يُفرّق بين المحبين بسبب العادات والتقاليد يقتلهما حرفياً. الموت في هذه القصة ليس قضاءً وقدراً بل هو نتيجة مباشرة للقسوة الاجتماعية. وهذا ما جعل القصة تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتصبح نقداً رمزياً لكل مجتمع يُخضع الحب لحسابات الشرف والمصلحة.

التاريخ والأسطورة: هل وُجد المجنون حقاً؟

يُعدّ السؤال عن حقيقة وجود قيس بن الملوح من أقدم المسائل الأدبية في النقد العربي. فقد شكّك بعض العلماء القدماء — كابن النديم في “الفهرست” — في وجوده، ورأوا أنّه شخصية اختلقها الرواة وجمعوا عليها أشعاراً متفرقة لشعراء مجهولين. وتبنّى هذا الموقف في العصر الحديث الأديب طه حسين الذي رأى أنّ قيساً من اختراع الأدب لا من وقائع التاريخ.

في المقابل، أكّد مؤرخون آخرون وجوده واستدلّوا بروايات عن معاصريه وبالإشارات إلى قبره في نجد. أبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني” يروي أخباره بأسانيد متعددة كما يفعل مع الشخصيات التاريخية الأخرى. والمستشرق الأيرلندي نيكلسون درس القصة دراسة معمّقة ورأى أنّ لها أساساً تاريخياً وإن بالغ الرواة في تفاصيلها.

والراجح عند كثير من الباحثين المعاصرين أنّ الحقيقة تقع بين الطرفين: فلعله وُجد شاعر عاشق من بني عامر أحبّ فتاة وفُرّق بينهما، لكنّ القصة نمت وتضخمت عبر القرون حتى أصبحت أسطورة. الرواة أضافوا أشعاراً ومواقف وتفاصيل درامية، والشعراء اللاحقون نسبوا إليه أبياتهم طلباً للشهرة أو لأنّ اسمه أصبح مرادفاً لكل عشق مستحيل. وسواء كان قيس حقيقياً أم أسطورياً، فإنّ الحقيقة العاطفية للقصة لا جدال فيها: إنّها تجربة إنسانية صادقة يعرفها كل من أحبّ ومُنع من حبيبه.

التأثير العالمي: من نظامي إلى شكسبير

لم تبق قصة قيس وليلى حبيسة الأدب العربي، بل انتقلت إلى آداب العالم وتحوّلت إلى واحدة من أكثر قصص الحب تأثيراً في التاريخ الأدبي الإنساني. أول وأعظم من أعاد صياغتها هو الشاعر الفارسي نظامي الكنجوي (1141-1209م) في منظومته “ليلى والمجنون” التي كتبها سنة 1188م ضمن خمسته الشهيرة. أضاف نظامي إلى القصة عمقاً فلسفياً صوفياً، وجعل جنون قيس رمزاً للفناء في المحبوب الإلهي، محوّلاً القصة من حكاية بدوية إلى ملحمة روحية كونية.

من نظامي انتشرت القصة في الأدب التركي العثماني والأوردوي والملايوي. كتب الشاعر التركي فضولي البغدادي (1494-1556م) نسخته التركية التي تُعدّ من روائع الأدب التركي الكلاسيكي. وفي شبه القارة الهندية، أصبحت القصة جزءاً أساسياً من التراث الشعبي والأدب الرفيع على حدّ سواء، وأُلّفت فيها عشرات المنظومات باللغات الأوردية والبنجابية والسندية.

أمّا في الأدب الأوروبي، فيرى عدد من الباحثين أنّ قصة روميو وجولييت لشكسبير (1597م) تأثرت بقصة قيس وليلى عبر سلسلة من الوسطاء الأدبيين. فالقصة الإيطالية التي استند إليها شكسبير — وهي حكاية الحبيبين من عائلتين متحاربتين في فيرونا — تشترك مع قصة قيس وليلى في بنيتها الأساسية: حب بين شابين يحول المجتمع دون اتحادهما فيموتان. وقد انتقلت المؤثرات العربية إلى إيطاليا عبر صقلية والأندلس خلال العصور الوسطى. لكنّ إثبات هذا التأثير المباشر يبقى موضع نقاش أكاديمي لم يُحسم بعد، وقد يكون التشابه راجعاً إلى كون المأساة العاطفية بنية إنسانية عابرة للثقافات.

وفي العصر الحديث، ألهمت القصة أعمالاً فنية متنوعة: أفلام سينمائية عربية وهندية وإيرانية، وأعمال أوبرالية، ولوحات تشكيلية، ومسلسلات تلفزيونية. كما استلهمها الشاعر الأذربيجاني قارا قاراييف في باليه “ليلى والمجنون” الذي أصبح من كلاسيكيات الباليه السوفييتي. هذا الانتشار العالمي يدل على أنّ القصة تحمل حقيقة إنسانية تتجاوز كل الحدود الثقافية واللغوية.

خاتمة: لماذا تبقى هذه القصة خالدة؟

بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً على أحداثها المفترضة، لا تزال قصة قيس وليلى حيّة في الوجدان العربي والإنساني. فما الذي يجعل هذه القصة تقاوم النسيان وتتجدد في كل عصر؟ السبب الأول هو أنّها تتحدث عن تجربة إنسانية أصيلة لا تتغيّر بتغيّر الزمان: تجربة الحب المستحيل. في كل مجتمع وكل عصر يوجد عاشقان يحول بينهما شيء ما — عادات أو طبقات أو حروب أو ظروف — فيجدان في قيس وليلى مرآة لألمهما.

السبب الثاني أنّ القصة تطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل الحب نعمة أم نقمة؟ قيس أحبّ فجُنّ، وليلى أحبّت فماتت كمداً. لكنّ كليهما لم يندم على الحب ولم يتمنَّ لو لم يحب. بل إنّ قيس حين دعا عند الكعبة طلب المزيد من الحب لا الشفاء منه. هذه المفارقة — أنّ الحب يُعذّب صاحبه لكنّه يبقى أعزّ ما يملك — تلمس وتراً عميقاً في النفس البشرية.

السبب الثالث هو أنّ القصة تتضمن نقداً اجتماعياً ضمنياً يتجاوز عصرها. فهي تكشف كيف تسحق العادات القبلية والاجتماعية المشاعر الإنسانية الحقيقية. وهذا النقد لا يزال صالحاً في كل مجتمع يُقدّم المظاهر والتقاليد على سعادة أفراده. قيس وليلى ضحيتان لنظام اجتماعي يرى في الحب المُعلن فضيحة لا فضيلة، وهذا الصراع بين الفرد والمجتمع صراع أزلي لم تحسمه الحضارات بعد.

وأخيراً، تبقى القصة خالدة لأنّها ربطت الحب بالشعر ربطاً لا ينفصم. فلولا أشعار قيس لما بقيت قصته، ولولا قصته لما خلدت أشعاره. الشعر هنا ليس تزييناً للقصة بل هو جزء من بنيتها: قيس أحبّ فنظم الشعر، والشعر حال بينه وبين ليلى، فنظم مزيداً من الشعر. هذه الحلقة المأساوية بين الحب والإبداع والألم هي جوهر التجربة الفنية الإنسانية، ولهذا يرى فيها كل فنان وأديب انعكاساً لتجربته الخاصة. إنّ قيساً لم يمت حقاً، لأنّ كل عاشق مكسور القلب يُعيد إحياءه في كل زمان حين يقول: أنا أيضاً أحببتُ فجُننت، وجُننتُ فأبدعت، وأبدعتُ فخلدتُ.

لاستكشاف المزيد عن تقاليد الحب العذري التي أنتجت هذه القصة الخالدة، يمكنك قراءة مقالنا عن الحب العذري. ولمعرفة كيف وثّق ابن حزم هذه الأنماط العشقية في دراسته الرائدة، اقرأ مقالنا عن طوق الحمامة.

أسئلة شائعة عن قيس وليلى

هل قيس بن الملوح شخصية حقيقية أم أسطورية؟
يختلف العلماء في هذا الأمر اختلافاً كبيراً. فريق من المؤرخين والأدباء — منهم ابن قتيبة وأبو الفرج الأصفهاني — يرون أنّ قيساً شخصية حقيقية عاشت في العصر الأموي في نجد، واستدلّوا بروايات عن معاصريه ووجود قبره. وفريق آخر — منهم طه حسين — يرى أنّ قيساً شخصية أسطورية اختلقها الرواة وجمعوا عليها أشعاراً لشعراء مختلفين. والراجح أنّ الحقيقة بين الموقفين: فلعله وُجد شاعر عاشق بهذا الاسم، لكنّ الرواة بالغوا في قصته وأضافوا إليها أشعاراً ليست له حتى أصبحت أسطورة.
لماذا رفض أبو ليلى تزويجها لقيس رغم حبهما؟
في المجتمع القبلي العربي، كان إعلان الشاعر حبه لامرأة في أشعاره يُعدّ تشهيراً بها وبقبيلتها، وكان من المعيب أن تُزوَّج فتاة لمن شهّر باسمها في الأسواق والمجالس. فحين نظم قيس أشعاره في ليلى وتناقلها الناس في كل مكان، أصبح زواجها منه مستحيلاً من منظور الشرف القبلي. قال أبوها: لو زوّجتها إياه لقالت العرب إنّه غلبني على ابنتي بشعره. هذا التناقض المأساوي — أنّ الحب الذي أعلنه قيس هو نفسه الذي حال دون وصاله — هو جوهر المأساة في القصة.
ما هي أشهر أبيات مجنون ليلى؟
من أشهر ما يُنسب إلى قيس بن الملوح: «أُحبّها وتُحبّني ويُحبّ ناقتها بعيري» وهو من أطرف أبيات الغزل العذري. ومنها: «تعلّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذؤابةٍ ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ» في وصف حب الطفولة. ومنها: «أراني إذا صلّيتُ يمّمتُ نحوها بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا» وهو بيت مشهور في شدة التعلّق. ومنها أيضاً: «وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها فقلتُ لهم فإنّي لا أشاءُ». هذه الأبيات قد يكون بعضها منحولاً عليه لا من نظمه، لكنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أسطورة مجنون ليلى.
كيف أثّرت قصة قيس وليلى في الآداب العالمية؟
أعاد الشاعر الفارسي نظامي الكنجوي صياغة القصة في منظومته الشهيرة «ليلى والمجنون» سنة 1188م، وهي من أروع ملاحم الحب في الأدب الفارسي. ومن خلال نظامي انتشرت القصة في الأدب التركي والأوردو والملايوي. يرى بعض الباحثين أنّ قصة روميو وجولييت لشكسبير تأثّرت بقصة قيس وليلى عبر سلسلة من الوسطاء الأدبيين الإيطاليين الذين تعرّفوا على الأدب العربي والفارسي. كما ألهمت القصة أعمالاً أوبرالية وسينمائية وموسيقية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ما الفرق بين قصة قيس وليلى وقصة جميل وبثينة؟
كلتا القصتين من قصص الحب العذري في العصر الأموي، لكنّ بينهما فروقاً جوهرية. قيس فقد عقله تماماً وهام في البراري يعيش مع الوحوش، بينما جميل بن معمر حافظ على عقله ورباطة جأشه رغم ألمه. قيس لم يتزوج قط ومات وحيداً، بينما جميل تزوّج من غير بثينة وإن ظلّ يحبها. قيس أعلن حبه فمُنع من ليلى، وجميل كذلك لكنّه استمر في لقاء بثينة سراً بعد زواجها. ومجنون ليلى أصبح رمزاً للجنون من العشق، بينما جميل بثينة أصبح رمزاً للوفاء الهادئ والشعر الرقيق.