مقدمة: الغزل — ديوان العرب الأوّل
إذا كان الشعر ديوان العرب، فإنّ الغزل هو أقدم أبواب هذا الديوان وأغزرها وأكثرها حميميةً. فمنذ أن عرف الإنسان العربي الشعر عرف الغزل، ومنذ أن وقف على أطلال الديار الدارسة ناجى الحبيبة الراحلة ورثى أيّام الوصال. الغزل ليس مجرّد فنّ من فنون القول، بل هو مرآة صادقة لتحوّلات المجتمع العربي عبر القرون — من بداوة الصحراء إلى حضارة المدن، ومن قسوة الجاهلية إلى رقّة الإسلام، ومن بساطة القبيلة إلى تعقيد الخلافة.
وعلى مدى خمسة عشر قرناً أو يزيد، لم يتوقّف الشعراء العرب عن صوغ مشاعر الحب في كلمات تنبض بالحياة. تطوّر الغزل من مقدّمة طللية في قصيدة جاهلية إلى قصيدة مستقلّة في العصر الأموي، ثم إلى فنّ متعدّد الأشكال والألوان في العصر العباسي والأندلس. انقسم إلى غزل عفيف يرتفع بالحب إلى مقام الروح، وغزل صريح يحتفي بالجمال الحسّي دون حرج. وفي كلّ مرحلة ظهر شعراء عظام جعلوا من كلمات الحب تحفاً أدبية خالدة.
في هذا المقال نُلقي نظرة شاملة على رحلة فنّ الغزل العربي من الجاهلية إلى الأندلس وما بعدها، نتتبّع تطوّره عبر العصور الأدبية الكبرى، ونتوقّف عند أبرز شعرائه وأشهر نماذجه، ونتأمّل في الأثر العميق الذي تركه في الآداب الإسلامية والأوروبية على حدّ سواء.
الغزل الجاهلي: البكاء على الأطلال
لم يكن الغزل في العصر الجاهلي فنّاً مستقلاً بذاته، بل كان جزءاً لا يتجزّأ من بنية القصيدة العربية الكلاسيكية. تبدأ القصيدة الجاهلية عادةً بالوقوف على الأطلال — أي بقايا المنازل التي رحل عنها أهلها ومعهم المحبوبة — فيبكي الشاعر ذكرياته ويستحضر أيّام الوصل الماضية. هذه المقدّمة الطللية كانت بمثابة البوّابة التي يدخل منها الشاعر إلى عالم القصيدة، وكأنّ ذكر الحبيبة هو الشرارة التي تُطلق ألسنة الشعر.
يقف على رأس شعراء الغزل الجاهلي امرؤ القيس بن حُجر الكندي، صاحب أشهر معلّقة في تاريخ الشعر العربي. كان امرؤ القيس أميراً ضلّيلاً تخلّى عن ملك أبيه وانصرف إلى اللهو والشعر، فأبدع في وصف المحبوبة ومغامرات الحب بجرأة لم يُسبق إليها. وفي معلّقته يصف دخوله على محبوبته ليلاً ومشهد الوداع عند الفجر وصفاً حيّاً نابضاً بالحرارة والصدق.
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ
بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
امرؤ القيس — مطلع المعلّقة
إلى جانب امرئ القيس، أسهم شعراء جاهليون آخرون في تأسيس تقاليد الغزل. فقد تميّز طرفة بن العبد بمزجه بين وصف المرأة ووصف الناقة في معلّقته، كأنّ الشاعر الجاهلي كان يرى الجمال في كلّ شيء حوله. وعُرف عنترة بن شدّاد بغزله العفيف الممزوج بالفروسية، حيث كان يذكر محبوبته عبلة في ساحة المعركة. هذا المزج بين الحب والشجاعة أصبح سمةً مميّزة للشخصية العربية المثالية: الفارس العاشق الذي يحمل السيف بيد والقصيدة بيد أخرى.
كان الغزل الجاهلي في مجمله غزلاً حسّياً صريحاً لا يتحرّج من وصف الجسد والجمال المادّي، لكنّه كان أيضاً محكوماً بقيم القبيلة وأعرافها. فالشاعر كان يصف جمال المحبوبة ويتغنّى بذكرياته معها، لكنّه كان ملتزماً في الوقت ذاته بالشرف القبلي الذي يفرض حدوداً معيّنة. وهكذا وُلد الغزل العربي في أحضان الصحراء: حارّاً كرمالها، عميقاً كآبارها، وشاسعاً كأفقها.
العصر الأموي: انقسام الغزل إلى عفيف وصريح
مع قيام الدولة الأموية في القرن السابع الميلادي، شهد الغزل العربي تحوّلاً جوهرياً. فقد انقسم لأوّل مرّة إلى تيّارين واضحين متمايزين: الغزل العفيف (ويُسمّى أيضاً الغزل العذري) الذي ازدهر في بادية الحجاز ونجد، والغزل الصريح (ويُسمّى أيضاً الغزل الحضري أو الإباحي) الذي ازدهر في مكّة والمدينة والطائف. هذا الانقسام لم يكن مصادفة بل عكس التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية العميقة في المجتمع العربي آنذاك.
ففي البادية، حيث ظلّت الحياة قاسية بسيطة والتقاليد القبلية صارمة، ظهر شعراء بني عُذرة وأمثالهم ممّن جعلوا من الحب ديناً يُعبد ومن الوفاء قدراً لا مفرّ منه. أحبّ الواحد منهم امرأة واحدة طيلة حياته، وإذا مُنع من الوصال لم يتحوّل إلى غيرها بل ظلّ يذوب شوقاً حتى يلقى حتفه. الحب العذري بلغ ذروته مع قيس بن الملوح (مجنون ليلى) وجميل بن معمر (جميل بثينة) وكُثيّر عزّة، الذين أصبحت أسماؤهم رموزاً خالدة للعشق المثالي.
أَلا لَيتَنا نَحيا جَميعاً وَإِن نَمُت
يُجاوِرُ في المَوتى ضَريحي ضَريحَها
جميل بثينة — من غزله العفيف
أما في المدن الحجازية — وبخاصّة مكّة والمدينة — فقد تغيّرت الأحوال تماماً. فبعد الفتوحات الإسلامية الكبرى تدفّقت الثروات والرقيق والموالي، وظهرت طبقة أرستقراطية مترفة متفرّغة للهو والطرب. في هذه البيئة الحضرية المنفتحة نشأ الغزل الصريح الذي لا يلتزم بمحبوبة واحدة ولا يتحرّج من وصف الجمال الجسدي بتفصيل وإسهاب. وقد كان هذا التيّار تعبيراً عن نمط حياة جديد يختلف اختلافاً جذرياً عن حياة البادية.
عمر بن أبي ربيعة: سيّد الغزل الحضري
لا يمكن الحديث عن الغزل العربي دون التوقّف طويلاً عند عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي (ت. 93 هـ / 712 م)، الذي يُعدّ أبرز شعراء الغزل الحضري في تاريخ الأدب العربي قاطبة. وُلد عمر في ليلة مقتل الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه (سنة 23 هـ)، ونشأ في مكّة في أسرة ثرية من سادة قريش، فتوفّرت له أسباب النعمة والدلال والتفرّغ للشعر واللهو.
ما يُميّز عمر بن أبي ربيعة عن غيره من شعراء الغزل هو أسلوبه القصصي الفريد. ففي حين كان الشعراء قبله يصفون المرأة وصفاً ساكناً ويتحدّثون عن مشاعرهم من جانب واحد، جعل عمر قصائده مشاهد حوارية حيّة تدور بين الشاعر والنساء اللواتي يتغزّل بهنّ. المرأة في شعره ليست صورة جامدة بل كائن حيّ يتكلّم ويُبادر ويُعاتب ويُدلّل. بل إنّ المرأة في كثير من قصائده هي التي تسعى إلى الشاعر وتتحدّث عن جماله هو، في قلب غير مسبوق لمعادلة الغزل التقليدية.
قالَت لِأُختٍ لَها قَد جِئتُها عَجِلاً
يا هِندُ هَل لَكِ فيمَن عِندَنا بَشَرُ
عمر بن أبي ربيعة — من أسلوبه القصصي
وقد ابتكر عمر تقنيات سردية لم يعرفها الشعر العربي قبله. من ذلك اللقاء السرّي حول الكعبة في موسم الحج، حيث كانت النساء من مختلف القبائل يجتمعن فتسنح الفرصة للحوار واللقاء في إطار من القداسة والحرمة يُضفي على المشهد مزيجاً فريداً من الروحانية والحسّية. وقد عُرف عمر بأنّه كان يتغزّل بنساء كثيرات من أشراف قريش ومكّة دون أن يلتزم بواحدة منهنّ، وهذا ما جعل شعره سجلّاً حيّاً لحياة الطبقة الأرستقراطية في مكّة خلال العصر الأموي. استقلّ الغزل على يديه لأوّل مرّة كقصيدة كاملة لا مجرّد مقدّمة لغرض آخر، وهذا إنجاز أدبي كبير في حدّ ذاته.
العصر العبّاسي: التجديد والتنوّع
مع انتقال الخلافة إلى بني العبّاس وتأسيس بغداد عاصمة جديدة للإمبراطورية الإسلامية، دخل الغزل مرحلة من التجديد والتنوّع لم يشهد لها مثيلاً من قبل. فقد اختلطت الثقافات العربية والفارسية والهندية واليونانية في بوتقة حضارية واحدة، وانعكس هذا الامتزاج على شعر الحب شكلاً ومضموناً.
يبرز في هذا العصر أبو نواس الحسن بن هانئ (ت. 198 هـ) بوصفه أجرأ شعراء الغزل العربي وأكثرهم إثارة للجدل. ثار أبو نواس على تقاليد القصيدة الجاهلية ورفض الوقوف على الأطلال والبكاء على الديار الدارسة، ودعا إلى شعر يعكس حياة المدينة العباسية بمجالس لهوها وطربها. وقد تميّز شعره بجرأة لافتة في وصف الجمال الحسّي وبمهارة فنّية عالية في الصياغة والإيقاع، حتى عُدّ من أعظم شعراء العربية على الإطلاق بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضامين شعره.
وفي الطرف المقابل من الغزل العبّاسي يقف العبّاس بن الأحنف (ت. نحو 192 هـ)، الذي يُمثّل ذروة الغزل العفيف الرقيق في هذا العصر. كرّس العبّاس شعره كلّه للغزل بمحبوبته التي سمّاها “فوز”، ولم يتعدَّ في ديوانه إلى أيّ غرض شعري آخر كالمدح أو الهجاء. جعل من الحب قضية وجودية تتجاوز الوصف الحسّي إلى تأمّل فلسفي عميق في طبيعة العلاقة بين المحبّ والمحبوب.
يا أَهلَ مَصرَ أَلا عَنّي حَديثَكُمُ
أَنا الشَريكُ لَكُم فيما يَسوءُكُمُ
العبّاس بن الأحنف — من غزله الرقيق
وقد أسهم العصر العبّاسي أيضاً في تطوير أشكال جديدة من الغزل. فظهرت القصائد القصيرة المكثّفة التي تعتمد على المفارقة والذكاء والتلاعب بالألفاظ، بدلاً من القصائد الطويلة التقليدية. كما امتزج الغزل بالتصوّف عند بعض الشعراء الذين رأوا في الحب البشري مجازاً عن الحب الإلهي، وهذا الامتزاج سيبلغ ذروته لاحقاً في الأدب الفارسي عند حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي.
الموشّحات الأندلسية: حين غنّى الغزل
في الأندلس — ذلك الفردوس الذي صنعه العرب في شبه الجزيرة الأيبيرية — شهد الغزل تطوّراً فنّياً بالغ الأهمية مع ظهور الموشّحات. هذا الشكل الشعري الجديد ظهر في القرن التاسع الميلادي تقريباً، ويُنسب اختراعه إلى مقدّم بن معافى القبري أو محمد بن محمود القبري الضرير، وهو يكسر الإطار التقليدي للقصيدة العمودية ذات القافية الواحدة ويستبدله ببنية إيقاعية متعدّدة الأقفال والأبيات.
الموشّحات ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالموسيقى والغناء، فكانت تُلحَّن وتُؤدَّى في مجالس الأنس والطرب. وقد وجد الغزل في هذا القالب الجديد مساحة رحبة للتعبير عن مشاعر الحب بطريقة أكثر حيوية وتدفّقاً. من أشهر الموشّحات الغزلية ما كتبه ابن زيدون في حبّ ولّادة بنت المستكفي، وما أبدعه لسان الدين بن الخطيب وابن سهل الإشبيلي وغيرهم من شعراء الأندلس.
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
ابن زيدون — من نونيّته الشهيرة في ولّادة
ومن أبرز سمات الموشّحة الخرجة — وهي المقطع الأخير الذي يأتي غالباً بالعامية الأندلسية أو بلهجة رومانثية أو بالعبرية أحياناً. وكثيراً ما تكون الخرجة على لسان امرأة تشكو من لوعة الحب أو تنتظر حبيبها الغائب، ممّا يُضفي على الموشّحة بُعداً إنسانياً حميماً ويجعل صوت المرأة حاضراً في النص الشعري. هذه الخرجات تُعدّ من أقدم النصوص الأدبية المكتوبة باللغات الرومانثية الأيبيرية.
الغزل العفيف والغزل الصريح: أسلوبان ورؤيتان
يستحقّ التمييز بين الغزل العفيف والغزل الصريح تفصيلاً أكثر، لأنّهما لا يختلفان في المضمون فحسب بل في الرؤية الفلسفية للحب ذاته. فالغزل العفيف ينطلق من تصوّر يرى الحب قوّة روحية سامية تتجاوز الجسد وتُطهّر النفس وترفعها إلى مقامات عليا. المحبوبة فيه ليست جسداً يُشتهى بل روحاً تُعبد، والوصال ليس غاية بل الشوق ذاته هو الغاية، لأنّ الشوق يحفظ الحب في حالة توهّج دائم.
في المقابل، ينطلق الغزل الصريح من رؤية تحتفي بالحياة الدنيا وتعتبر الجمال الحسّي نعمة إلهية تستحقّ الاحتفاء لا الإنكار. الحب فيه تجربة كاملة تشمل الروح والجسد معاً، ولا حرج في التعبير عن كلّ أبعاد هذه التجربة بصراحة ووضوح. المحبوبة كائن حيّ من لحم ودم لا تمثال مثالي، والعلاقة بين المحبّين علاقة متكافئة فيها أخذ وعطاء.
من السمات الأسلوبية المميّزة: الغزل العفيف يميل إلى التكرار والإلحاح والنبرة الحزينة المأساوية، ويُكثر من الحديث عن الموت من شدّة الحب والنحول والسهر والبكاء. قصائده غالباً أحادية المحبوبة — امرأة واحدة تُذكر باسمها أو بكنيتها مدى الحياة. أما الغزل الصريح فيميل إلى الخفّة والرشاقة والسرد القصصي، ويُكثر من المشاهد الحوارية والوصف التفصيلي للجمال الجسدي. قصائده متعدّدة المحبوبات والمغامرات، وفيها روح الدعابة والمرح.
والحقيقة أنّ كلا التيّارين أثرى الأدب العربي بطريقته الخاصّة. فالغزل العفيف منحنا أعمق ما كُتب عن مشاعر الشوق والحنين والفقد، بينما منحنا الغزل الصريح أحيى ما كُتب عن فرح الحياة وجمالها وتعدّد ألوانها. ولعلّ الحب الكامل — كما عبّرت عنه الحضارة العربية الإسلامية ككلّ — هو ذاك الذي يجمع بين رفعة الروح ودفء الجسد، بين إخلاص العذريين وحيوية الحضريين.
الغزل في الآداب الإسلامية: من فارس إلى الهند
لم يبقَ الغزل حبيس اللغة العربية، بل انتقل عبر قنوات الحضارة الإسلامية إلى لغات وآداب أخرى تفاعلت معه وأضافت إليه. وأعظم هذا التفاعل كان مع الأدب الفارسي، حيث تطوّر الغزل ليصبح شكلاً شعرياً مستقلّاً بقوالبه وتقاليده الخاصّة.
في الأدب الفارسي بلغ الغزل ذروته على يد حافظ الشيرازي (ت. 792 هـ / 1390 م) الذي يُلقَّب بلسان الغيب وترجمان الأسرار. أبدع حافظ في صنف الغزل الذي يمتزج فيه الحب البشري بالحب الإلهي امتزاجاً يصعب الفصل بينهما، حتى يظلّ القارئ في حيرة: هل يتحدّث الشاعر عن محبوبة أرضية أم عن الذات الإلهية؟ هذا الغموض المقصود أصبح سمة مميّزة للغزل الفارسي وأكسبه عمقاً فلسفياً فريداً.
وفي الأدب التركي العثماني ازدهر الغزل متأثّراً بالنموذجين العربي والفارسي. شعراء مثل فضولي البغدادي (ت. 963 هـ) — الذي كتب بالتركية والفارسية والعربية — أسهموا في نقل تقاليد الغزل وتطويرها في السياق التركي. واحتلّ الغزل مكانة مركزية في الشعر الديواني العثماني على مدى قرون.
أما في شبه القارة الهندية فقد وجد الغزل تربة خصبة في الأدب الأردي. بلغ الغزل الأردي ذروته مع ميرزا غالب (ت. 1869 م) ومير تقي مير (ت. 1810 م)، وأصبح الشكل الشعري الأكثر شعبية في الهند وباكستان. حافظ الغزل الأردي على كثير من تقاليد الغزل العربي والفارسي لكنّه أضاف إليها نكهة هندية محلّية خاصّة. وحتى اليوم تُعدّ مجالس الشعر (المُشاعرة) التي يُلقى فيها الغزل من أبرز الفعاليات الثقافية في جنوب آسيا.
أثر الغزل العربي في الشعر الأوروبي
من أكثر الجوانب إثارة في تاريخ الغزل العربي هو تأثيره في الشعر الأوروبي عبر بوّابة الأندلس. فخلال القرون الخمسة التي حكم فيها المسلمون جنوب إسبانيا (711-1492 م)، حدث تبادل ثقافي عميق بين الحضارتين العربية واللاتينية. وقد كانت الموشّحات والأزجال من أهم القنوات التي انتقل عبرها فنّ الغزل إلى الأدب الأوروبي.
في جنوب فرنسا — إقليم بروفانس تحديداً — ظهر في القرن الحادي عشر الميلادي شعراء التروبادور، الذين طوّروا تقليداً شعرياً يُعرف بـالحب النبيل أو حب الفروسية. تتشابه موضوعات شعرهم مع الغزل العربي تشابهاً لافتاً: المحبوبة سيّدة متعالية يخضع لها الشاعر خضوعاً كاملاً، والحب ألم شريف يُنبّل الروح ويُهذّبها، والسرّية شرط أساسي فلا يُفصح الشاعر عن اسم محبوبته الحقيقي بل يستخدم كنية. هذه الموضوعات كلها موجودة في الغزل العربي قبل التروبادور بقرون.
وقد ذهب كثير من الباحثين الغربيين — منهم المستشرق الإسباني إميليو غارثيا غوميث والباحثة ماريا روزا مينوكال — إلى أنّ شعر التروبادور تأثّر بالموشّحات الأندلسية تأثّراً مباشراً. واستمرّ هذا التأثير في الأدب الإيطالي عبر دانتي أليغييري وبترارك اللذين طوّرا مفهوم الحب المثالي في أشعارهما، ومن إيطاليا انتقل إلى بقية أوروبا. وهكذا فإنّ تقاليد الحب الرومانسي الأوروبية التي نعرفها اليوم مَدينة — ولو جزئياً — لفنّ الغزل العربي الذي وُلد في صحراء الجزيرة العربية ثم ازدهر في حدائق الأندلس.
نماذج من الغزل عبر العصور
لا تكتمل رحلتنا مع فنّ الغزل دون أن نستمع إلى أصوات الشعراء أنفسهم. في ما يلي باقة مختارة من الأبيات التي تُمثّل كلّ عصر من عصور الغزل العربي:
من العصر الجاهلي — عنترة بن شدّاد:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ وَالرِماحُ نَواهِلٌ
مِنّي وَبيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
عنترة بن شدّاد — يذكر عبلة في المعركة
من العصر الأموي — قيس بن الملوّح:
تَعَلَّقتُ لَيلى وَهيَ ذاتُ تَمائِمٍ
وَلَم يَبدُ لِلأَتْرابِ مِن ثَديِها حَجمُ
قيس بن الملوّح (مجنون ليلى) — حب الطفولة
من العصر العبّاسي — أبو تمّام:
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى
ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
أبو تمّام — في الوفاء للحب الأوّل
من الأندلس — ولّادة بنت المستكفي:
تَرَقَّبْ إِذا جَنَّ الظَلامُ زِيارَتي
فَإِنّي رَأَيتُ اللَّيلَ أَكتَمُ لِلسِرِّ
ولّادة بنت المستكفي — صوت المرأة الأندلسية
هذه النماذج المختارة تكشف عن تنوّع مذهل في الأصوات والأساليب والرؤى، لكنّها تشترك في شيء واحد: الصدق في التعبير عن تجربة الحب بكلّ أبعادها. من صوت الفارس الجاهلي الذي يذكر محبوبته في غمرة القتال، إلى صوت المجنون الأموي الذي أحبّ في الطفولة ولم ينسَ، إلى صوت الشاعرة الأندلسية التي تُبادر بالحب دون خجل — كلّها أصوات تنبض بالحياة رغم مرور القرون.
خاتمة: الغزل — إرث حيّ لا يشيخ
يبقى الغزل العربي واحداً من أغنى التراثات الشعرية في تاريخ الإنسانية. فعلى مدى خمسة عشر قرناً، لم يتوقّف الشعراء العرب عن الكتابة في الحب، كلّ بأسلوبه وفي زمانه ومكانه، لكنّهم جميعاً اشتركوا في إيمان عميق بأنّ الحب يستحقّ أن يُقال، وأنّ الشعر هو أجمل وعاء لهذا القول.
من أطلال الصحراء الجاهلية إلى قصور الخلفاء العبّاسيين، ومن بوادي الحجاز إلى حدائق قرطبة وغرناطة، ومن القصيدة العمودية الصارمة إلى الموشّحة المتراقصة، قطع الغزل العربي رحلة طويلة مدهشة. وفي كلّ محطّة من محطّات هذه الرحلة ترك بصمة لا تُمحى: في الآداب الفارسية والتركية والأردية، وفي شعر التروبادور الأوروبي، وفي تقاليد الحب الرومانسي التي تسود العالم اليوم.
ولعلّ السرّ في خلود الغزل العربي أنّه لم يكتفِ بوصف مشاعر الحب بل ارتقى بها إلى مستوى الفن الخالد. فحين نقرأ بيتاً لامرئ القيس أو جميل بثينة أو ابن زيدون لا نشعر بأنّنا نقرأ كلاماً من زمن ماضٍ، بل نشعر بأنّ أحداً ما يتحدّث بلسان قلوبنا نحن. وهذا هو سحر الشعر العظيم: أنّه يجعل الخاص عامّاً، والشخصي إنسانياً، واللحظة العابرة أبدية.
